مينا ناجي
لصدور كتاب "يوميات الملل
الثوري" للكاتب والشاعر الراحل هاني درويش (1974-2013) الذي يضم كتاباته
ومقالاته السياسيّة، في تلك الفترة الحدّية والمشحونة والمكثفة، طعم حُكم الزمن،
تحديداً بسبب توقفها المباغت برحيله وصدورها بعد خمسة أعوام بصورة مجمّعة (الكتاب
صادر العام الماضي 2018 عن دار الكتب خان).
أهمية الكتاب تكمن، ليس فقط في
طبيعته السجاليّة الحارة التي اشتهر بها درويش، لكن في كونه مناسَبة للنظر في
مواقع"ثورية" مختلفة تدعو إلى إعادة تقييمها ومراجعتها من ناحية،
ولمحاولة فهم أنماط الاستتباع واستمرارية الدفع الذاتي لتلك المواقع حتى الآن من
ناحية أخرى.
في القسم الثاني من الكتاب مقال
كاشف بعنوان "إسلاميون تحت شمس العلن" يفند فيه درويش اتهام التيار
الإسلامي وقت توليهم الحكم في مصر لأعدائه بـ"النخبوية"، أي بالانفصال
عن متطلبات الجماهير واستعدائهم، كنوع من الصراع على تمثيل الشعب المصري في المجال
العام والسياسي. في بداية المقال يُحاجج درويش أن التيار الإسلامي نفسه هو
النخبوي، قبل وأثناء وبعد الثورة، وكما ظهر في نسب الانتخاب والتأييد الميداني
لهم. ثم ينتقل بعد ذلك في الجزء الثاني من المقال، إلى الاشتباك مع تيار "غير
إسلامي" تعاون مع الأخير في تشكيل وصياغة هذا الاتهام وصفهم
بـ"الأكاديميين الإسلاميين المتسترين ببضاعة الأكاديميا الغربية اليمينية،
رافقهم أيضاً لفيف من الباحثين السياسيين أبناء مدارس الاستشراق المعكوس من
الليبراليين واليساريين".
يبزغ هنا سؤال لماذا يقوم هذا
التيار من الأكاديميين والباحثين والمنظرين بدلاً من تقديم أطروحات تتعلق بتكوين
ملامح واستراتيجيات حراك وتمثيل غير نخبوي معتمد على الجماهير، بتقديم خدمات
تنظيريّة وتحليليّة لتيار إسلامي أظهر العداء والاحتقار لكل ما هو خارجه، مرتكباً
كل ما يجسد ما قامت ثورة يناير ضده؟
يرجع درويش هذا إلى عداء هذا
التيار لفكرة المثقف الستيني المتماهي مع مؤسسة الدولة بما يستتبعه من عداء
للإسلام السياسي على النمط الثمانيني والتسعيني، بجانب، كما أشار في المقال السابق
في الكتاب، "الحقد واستتفاه الطبقة الوسطى المدنية الديموقراطية" في
"علاقة غرام وانتقام مركبة". ويشير أن ذلك تواصل مع مقدمات ما قبل
الثورة، مما حدا بهذا التيار بالاغتراب الوجودي عن الجماهير وتفليلهم (من فلول)،
باحثاً عن "إسلاميين لا سلطويين". وفي مقال آخر يستعرض كيف استولى
التيار الإسلامي على الثورة ودمرها بشكل منهجي، ومع ذلك قام تيار من الليبراليين
واليساريين بـ "تقديم أكبر منحة أخلاقية لم يحلم بها الإخوان، وهو احتساب
مرسي مرشحاً للثورة".
ربما يتم النظر إلى ذلك بصفته
سذاجة ثوريّة وتنظيريّة -الطافحة مثلاً في يوميات القسم الأول من الكتاب- لكن
الأمر أعمق من ذلك، ولا يتعلق فقط بسذاجة جِدة الأحداث، خصوصاً مع استمرارها حتى
الآن بتشجيع "الثورات" التي تحدث في بلاد عربية أخرى لم يطلها الخراب
بعد. هناك أسباب أيديولوجية عميقة، أومأ درويش للمحة منها حين أشار إلى أن أحد
المنتمين إلى هذا التيار في كتاباته "يحاكم فيها الحداثة الفاشلة كما يسميها
بوضعها مع قياس ما يقدمه الإسلاميون من خراب" متجاهلاً أن الإسلام السياسي هو
ابن الحداثة نفسها بامتياز، أو الكاتبة "اليسارية" التي تدعي أن في الشريعة
الإسلامية تكريماً للمرأة يظلمه السلفيون بتحجرهم ويظلمه المدنيون بعدائهم للشريعة.
لماذا يتم الانقضاض على حداثة
لازالت تبحث عن استكمال هويتها بعد حقبة استعمارية مازلت إلى الآن ترزح تحتها
أشكال أخرى أكثر تعقدياً؟ (كما يتمثل في مشاريع أكاديمية أشهرها في مصر مشروع
المؤرخ خالد فهمي) والتوجه رأساً إلى نظم ما قبل حداثيّة مثل نظام تطبيق الشريعة
الدينيّة؟ وكيف أمكن لتنظير يساري أن يتجاهل الرأسمالية الريفيّة والتعاون مع
الاستبداد الأمني، وتقييد الحريات واحتقار التنوع السياسي للإخوان المسلمين،
ويتفرغ ليهاجم أي معارضة جذرية للإسلاميين؟
أيديولوجيا
الاستشراق المعكوس
يمكننا
الإجابة على هذه الأسئلة عن طريق تحليل عمل المنطق الداخلي لهذا التيار والتطرق
إلى سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الخاص به. فما يحدث في أروقة الأكاديميا هو
تحديداً تركيب المُنتجات اليساريّة الأكاديميّة الغربيّة في نقد الحداثة
الرأسماليّة الأوربيّة-المركزيّة (مثل أطروحات فوكو، دولوز، باتلر، أجامبين مثلاً)
على تيار يميني محافظ سلطوي محلي هو حركات وجماعات الإسلام السياسي التي
تتبنى أيديولوجيا الأغلبية وتمدها على استقامتها لتصل بها إلى أقصى أشكالها
تطرفاً؛ وذلك بالمرور عبر المجالات الأكاديمية التي تتناول الشرق الأوسط من قِبل
أسماء مثل صبا محمود وطلال أسد وحميد دباشي وغيرهم. ويتم تحييد أو نزع التنافر الواضح بين الإسلام السياسي بكل ما
يقوم به نظرياً وعملياً من هيمنة وإقصاء وإبادة للأقليات العرقيّة والدينيّة
والسياسيّة وبين التنظيرات الخاصة بأقليات حركيّة تحريريّة تناوئ الرأسماليّة
العالميّة وطغيان الحداثة الاوربيّة، عبر آليتين نظريتين رئيستين.
الأولى
قادمة من قلب الدراسات الما بعد
استعماريّة، وهي وضع هذا التيار الديني السلطوي في خريطة أخرى -خريطة التمركز
الأوروبي- ليكتسب موقعاً جديداً، هو موقع الآخر (الشرقي في مقابل الذات
الغربيّة، الإسلامي في مقابل المسيحي، الأقلوي-داخل المحيط الغربي- في مقابل الأكثري إلخ..) بما يستتبعه موقع الآخرية من استضعاف
وتهميش، وأخلاقيات القبول والضيافة، وحضوره كإمكانية بديلة قادمة من
"الهامش"، للحداثة الغربيّة العلمانيّة العقلانيّة، الخصم الأساسي لمجمل
تلك التنظيرات الفلسفية.
وفي خطوة
تالية، تأتي الآلية الثانية من مجال الدراسات الأنثروبولوجيّة، لإزاحة المضامين
الإقصائيّة العنفيّة واليمينيّة السلطويّة والتنصل من الإشارة أو الحكم عليها، بقول
إن الحركات الإسلامويّة "بنيات مُغلقة" لا يمكن فهمها وسبر غورها
بالأدوات النقديّة والمعايير الأوروبيّة التي تدّعي اليونيفرساليّة، ويلزم الحذر
من تعريفها وادعاء فهمها، وعدم التعالي عليها بتلقينها ما يجب وما لا يجب، لأن ذلك
نوع من الاستعماريّة والفوقيّة الفكريّة.
كيف
يستمر أمر كارثيّ وفضائحيّ كهذا في إنتاج كتابات وتنظيرات يدحضها الواقع باستمرار؟
يأتي هنا دور
الليبراليين واليساريين المحليين، فهم له مزية المعرفة الأكاديميّة الغربيّة
والانتماء لها -بوصفهم دارسين في الجامعات الغربية أو بجامعات داخل بلدان الشرق
الأوسط تتبعها- وفي ذات الوقت، ينتمون للشرق الأوسط باعتبار الأصل أو الهوية أو
بالعيش فيه.هذا الموقع البيني المزدوج سمح لهم بأخذ سُلطة معرفيّة وأخلاقيّة كهمزة
وصل بين عالمين يعرفون لغتهما معاً، ليقوموا هم بدورهم بالحفاظ على هذه السلطة
باستتباع التجاهل التام لأي تنافرات معرفيّة وعمليّة من جهة، وإرسال رطانات وصيغ
وإشارات وشفرات سابقة التجهيز، تؤكد النظريات المهيمنة داخل سياق التحليل
و"جمع العينات"، والنفي المُطلق لأي أبعاد خارجيّة (من قبل التدخلات والهندسات الاستعماريّة للقوى العظمى
مثلاً) لأن تلك الإجراءات تستهدف أن تكون لها بيئات معمليّة معزولة ومفرغة من أي
متغيرات أو عناصر غير ما يوجد في بيئتها المحلية. وبذلك يتم تحويل الواقع المتشعب
والمركب والمعقد إلى لوحة تبسيطية من لونين، أي الوصول بمجال المعرفة الأكاديمية
والتنظير السياسي والاجتماعي إلى مستوى قصص الأطفال المصورة، فيما يشبه نكتة دموية
بشعة، جلبت خراباً رهيباً على مجمل بيئة التجربة المعمليّة حتى انفجر المعمل في
وجه الجميع.
نكتة
"الإسلام السياسي اللا-سلطوي" الدمويّة
لكن لماذا توجه الأكاديميا
الغربية بالأساس نظرها إلى الإسلاميين دون غيرهم في نظرياتها حول التحول
الديموقراطي واستقلال الدول التابعة في المنطقة؟ هناك عدّة أسباب مختلفة (وقد أشار لها درويش في كتابه) يمكن صياغتها
كالآتي: 1- النماذج والتصورات الاستشراقية أن الشعوب العربية شعوب دينية، تجد
سلواها ومنطقها في الحكم الديني. 2- الإسلاميون مرحلة لابد لتلك المجتمعات المرور
بها كي تتطور. 3- تحويل الثورات العربية إلى مسار إقامة دول دينية إسلاميّة تحجِّم
تصدير الإسلام خارج تلك الدول. 4- تصور إمكانية ترويض التيار الإسلامي داخل الشروط
العولميّة الرأسمالية والسيطرة عليه وراء الخطوط الحمراء.
أثبت الواقع التاريخي فشل وتلفيق
كل تلك التصورات والمبرّرات، وتلك الأهمية الكبرى في خروج الملايين في مصر عام
2013 ضد الإخوان وإسقاط حكمهم، فذلك نفى عن الجماهير السبب الأول والثاني بالتأكيد
العملي إن الإسلاميين ليسوا الخيار الشعبي المسيطر.أما السبب الثالث، وهو المنطق
نفسه في إقامة الدول الغربيّة الكبرى دولة إسرائيل الدينيّة في الشرق الأوسط (حتى
يرتحل اليهود بمشاكلهم وخطرهم عن أوروبا؛ مما يجعل الصهيونية، فعلياً، معاداة
للسامية)، أي فتح المساحة والدفع في اتجاه إقامة كيانات دينيّة حداثية تحت السيطرة
والتبعيّة حتى ينزاح إليها كل المنتمين لهذا العالم الآخر، أظهرت النتائج الفعليّة
أن الأفكار التوسعية والمسيطرة للجماعات الإسلاميّة في الغرب أكثر إشكالاً
وتعقيداً من هذا التصور الساذج، الذي على العكس قام بتقوية شوكة هذه الجماعات
والحركات. والسبب الرابع يمكننا أن نرى زيفه الكارثي بخروج وحش داعش والفصائل
الجهادية الإسلاميةالأخرى في تفوير دولاً بأكملها وقيامهم بعمليات إرهابيّة في كل
مراكز العالم الغربي، وتحوّل المهاجرين، الذين أصبحوا أزمة تاريخية كبرى للدول الأوروبيّة،
إلى أفخاخ قابلة للانفجار في أي لحظة، تحديداً بسبب توحش وفجور التيارات
الإسلاميّة بأطيافها التي خرجت عن أي نطاق سيطرة في بلاد الثورات العربيّة.
فشل الإسلاميين في تحقيق أضغاث
أحلام الأكاديميا الاستشراقية -أو فشل نكتة العثور على إسلامي ديموقراطي لا-سلطوي
متخيل- يجعل تيار المنظرين هذا الذي يربط بين العالمين في موضع حَرِج، أو بالأحرى،
يؤدي إلى ضياع رأسمالهم الرمزي، وبالتالي حدوث خيبة أمل نخبوية وقطيعة شعورية مع
الجماهير التي تحركت على عكس أمنياتهم وتنظيراتهم الأكاديمية ومعهم مُجمَل الأصوات
المعارضة للتيارات الإسلامويّة، والسعي الملتاث لمحاباة الإسلاميين وترجيهم،
بطريقة مباشرة وغير المباشر، للعدول عن جنونهم وسلطويتهم وتعطشهم للدماء بكل الطرق
الممكنة (يمكن رؤية ذلك في حسرات وآهات ذلك التيار من تدمير كل فرصة لإثبات
العقلانية وحسن النية والاستعداد للتعاون من قِبَل التيار الإسلامي).
مثال واضح على ذلك هو ورقة نشرها
مؤخراً الباحث السوري ياسين الحاج صالح، يخاطب فيها الإسلاميين (داعش!) في بلد
قاموا فيها بارتكاب فظاعات سينمائيّة في توحشها وعنفها، يطالبهم أن يكونوا أكثر
تسامحاً وانفتاحاً، محاولاً إقناعهم بأن هذا أفضل للإسلام، ويحاججهم عن طريق قراءة
التاريخ الاسلامي بنفي السيادة والسلطة الفوقيّة (خلافيّة/سُلطانية) فيه، واعتباره
تاريخا ديموقراطيا بنفس الطريقة الانتقائية للإسلاميين باختيار لحظات معينة من
سيرورته التاريخيّة وقولبتها بصورة معينة مثاليّة، واضعاً -إلى الآن!-أماله في
التمثيل الديموقراطي للإسلاميين عن فئات الشعب في جدال شرعي على أرضية دينية بقول
"لي حق تمثيل الإسلام أيضاً فتعاون معي" وذلك لتيار تقوم سلطة تمثيله
على التكفير أصلاً. وبذلك يتجاهل صالح، مثل بقية هذا التيار، أن النظام الخلافي
قبل الدول الحديثة هو أيضاً تاريخ صراعات طوائف وقتل فقهاء وتعذيبهم، وأن للطوائف
نفسها ممثلي سلطات يضبطون الجسد الطائفي بممارسات اجتماعيّة ودينيّة محددة، تحت
سياق أكبر من ممارسات مركزيّة سلطويّة ومنهجيّة كانت تجبر الطوائف الأخرى على
التراجع والانحسار والتمركز حول نفسها. ولو بفرض خيالي حالم أنه كان هناك تاريخ
ديني ديموقراطي ناصع قبل حداثي، فلا يمكن استرجاعه في سياق الحداثة والمرحلة
التاريخيّة الحاليّة بهذه السذاجة وسوء النيّة في تجاهل لكل شيء تقريباً، بداية من
مضامين ظواهر الإسلاميين أنفسهم وليس نهاية بالسياق الاجتماعي-السياسي الواسع.
يوميات
"الوعي" الثوري
رجوعاً إلى كتاب درويش، فإنه
يرسم مقابل هذا الوعي الأكاديمي الاستشراقي المعكوس، وعياً ثورياً آخر ينتمي إلى
"هامش الثقافة المستقلة والحية المؤسسة على رفض هيمنة الدولة على المجال
الثقافي والسياسي" ويضرب له ثلاث أمثلة تمثل موقع وعيه السياسي والثقافي هو
نفسه: سياسيو جيل التسعينيات/ مشاريع النشر الأدبية الخاصة والشخصية في
التسعينيات/ الاشتراكيين الثوريين.
ماهو غريب في الأمثلة التي
أعطاها درويش على هذا الهامش السياسي والثقافي، أنها تقع تحديداً فيما يسمى
النخبوية، سواء بالغرق في التنظيرات الأيديولوجية والحركية في الأولى أو العداء
للجماهيرية ومحاولة صدمها وإغضابها في الثانية، أو كما قال هو نفسه في وصف المثال
الثالث (الاشتراكيين الثوريين) "قطيعته السياسية مع مجمل جيل تأسيس الحركة
الثانية في الستينيات" أي نفس السبب التاريخي الذي يتهم به تيار معاوني الإسلاميين
من الأكاديميين والباحثين: التمرد على الجيل السابق إلى حد التطرف، والذي يتجسد
مثلاً في الشعار الشهير لهذه الحركة "أحياناً مع الإسلاميين دائماً ضد
النظام"، والذين كما أشار في المقال السابق في الكتاب، بسبب تركيبة
ضعف الطبقة العمالية التقليدية وفسادها، وضعف الطبقة العاملة الجديدة وقلة تنظيمها
ووعيها، أصبحوا "في ذمة انتظار الكارثة التي قد تصهر وعي
الفقراء في أثناء الثورة في الوعي الفارق"، الكارثة التي ستهشم استقرار
الدولة "وتدعه هشيماً"، أي اختفاء مجمل البنيّة السياسيّة والاجتماعيّة
والثقافية هكذا وحدها بسبب فسادها وتحللها الداخلي. يشير درويش تالياً في المقال
إلى أبناء هذا الهامش من "متمردي الفردية الجديدة"
باشتراكه في الثورة بـ "آحاد فرديته" رافضاً بلورة نفسه كنخبة ودون
وهم التمكين.
بالتالي يكون قد رسم درويش ملامح
تيار ثوري يمثله وعيه هو نفسه، يُضاف إليه الملامح الأساسيّة التي برزت في المقال
أو النَص الذي سُمي الكتاب على عنوانه "من يوميات الملل الثوري"، والذي
كُتِب بعد قيام الثورة بعام واحد (26 فبراير 2012) ويظهر فيه وعي يعلن عداوته
المتململة من الجمهور، ويحاكم الواقع-الذي ينقل طول اليوم عنه وله "أكاذيب
ناصعة البياض"- على فشله في إمتاع وتحفيز الخيال، بصفته "الوجود المستقر
العصي على خدش وقائعه" والذي هو "موت للخيال". وعي يتحسر ويصيح:
"كانت الثورة فخاً كبيراً"؛ فقد فشل الواقع الثوري، في بقائه لعبة
"يكفينا منها الإشراق الباذخ، أن تخلق داخلنا مغامرة"
وبهذا يحاكم بؤس الواقع وانحطاطه في عدم شرف الوصول إلى مستوى فانتازياه الشخصية
عن الثورة والشعب والحياة.
لماذا هذا التأكيد الوسواسي على
"الخيال"؟ لأنه تحديداً وعي نكوصي يشبع رغباته عبر التخييل النرجسي،
بسبب فشل مؤسسات المجتمع في إعطاء أدوار وصور حقيقيّة فاعلة تشكل الذات ورغباتها ومجالاً
لإشباعها؛ يمكن رؤية هذا منعكساً فيما يعتبر الفقرة الأغرب في الكتاب، وهي الفقرة
الأخيرة من النص الذي حكى فيه درويش عن وقائع يوم "موقعة الجمل" التي
كانت فيها الأرصفة "مبثوثة بتوجعات الجرحى، القتلى يجتمع عليهم مجموعة من
الأطباء" والأرض "مفروشة بدماء كل شبر"، شهداء و"مصابون
يعودون بأقدام تنثني بفعل الرصاصات التي أصابت الساق أو الفخذ".جاءت الفقرة
كالآتي: "في التاسعة أخرج أنا وباسل، نشتري خبزاً من شارع جانبي ونلتهمه فيما
نضحك، نلتهمه بشهية من مروا حالاً من ثقب في الجدار، نحن أحياء ولدنا من جديد، ولدينا
ما نحكيه لسنوات عن هذه الليلة".كان هذا الوعي الثوري في ذروة
ثوريته، إذاً، عدمياً؛ لا معنى لشيء سوى كونه قصة تُحكى لسنوات..
بإمكاننا الآن صياغة ملامح هذا
الوعي الثوري، أو ما يمكن تسميته بالتيار الثوري غير الإسلامي عامة،هكذا:
·
الالتزام -لدرجة التدليس المتعمد-
بالحدود المرجعيّة المرسومة بـ أحياناً مع الإسلاميين دائماً ضد الدولة، كإطار لا
يحيد لمجمل التحليلات والتفسيرات والتفاعلات السياسيّة، وفي الوقت ذاته، تجنب أي مسعى جاد للوصول للسُلطة
السياسيّة أو وضع خطط تراكميّة طويلة أو متوسطة المدى، تتحرك استراتيجياً في تجاه
تكوين جبهات وقواعد جماهيريّة بناءً على خطط ورؤى موازية وبديلة، بل التوجه
بالأحرى، لمَرْكزة مفهوم الانتظار الدائم لكارثة نهائيّة سياسياً، أي انتظار
الخراب كحل سحري من ناحية ورغبة انتقاميّة من ناحية أخرى، وهو ما ينعكس في هوس التوقعات
والتمنيات الأبوكاليبتيكيّة في الخطابات الأدبية الحالية والخطابات المختلفة على
مواقع التواصل الاجتماعي.
·
تصدير تصور حدي عن فرديّة الذات يقوم
على انفصالها الكامل عن العالم والآخرين، وبالتالي ابتذال التحرُّك في اتجاه بناء جماعي
مشترك للمعاني المختلفة لما يعرّف الحياة الإنسانية العامة، بـل الحكم على الواقع
المشترك، من موقع خارجي متخيَّل، بكونه لا يرتقي لمستوى خيال وتصورات هذه الذات، والاهتمام
جراء ذلك بالمشهدي والبطولي على حساب التفصيلي والاستراتيجي، واعتبار كل ما يتضمنه
هذا الواقع، بشكل عدمي، مادة للعب والقص، أي مادة أدبيّة، مما يستتبع تغليب
الجمالي والشعري على السياسي والمعرفي، واستخدام تلك الرؤى والصور،كخطوة تالية، في
الحصول على مكاسب اجتماعية وسياسية وأدبية بصياغة نماذجها وادعاء التماثل معها، في
تطابق مع ما يتم الهجوم عليه بالأصل (النماذج الوطنيّة على سبيل المثال).
هذه المضامين والممارسات مستمرة إلى الآن، ويتم
دفع الاشتباك معها ومساءلتها دوماً بسبب ظروف موضوعيّة ثقيلة الوطأة وشاقة بالفعل،
رغم أنها تجعل ضرورة التعاطي معها أكثر إلحاحاً. ربما كان هاني درويش يشاكسنا
ويجادلنا مرّة أخرى بعد أعوام من رحيله، ويعكس لنا صورتنا في مرآة كتاباته، لنراجع
أنفسنا وننظر لها نظرة من رأى الزمن يفنّد ويغربل معتقداته وصوَره.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق