السبت، 30 نوفمبر 2019







                             

فكرت في الأقواس كجناحين..



مهاب نصر


" اقترفت خطأ كبيرا. يبدو أنه من الصعب تدارك الأمر الآن. سيرى آخرون أنني أبالغ، لكنني حالما انتهيت من كتابة الفقرات السابقة تبين أولا أنني وضعت الأقواس بشكل اعتباطي، كأنها يوميات، أو رسائل متفاوتة الطول بحسب الحال. من البداية وأنا متشكك بهذه الأقواس؛ ماذا تعني فعلا؟ ماذا وراءها؟ أي عالم مفترض ذلك الذي يقبع هناك قبلها أو بعدها؟ تشير الأقواس إلى ذلك وتلمح إليه، إلى حيث تعيش كلمات أخرى، أو لا كلمات على الإطلاق. يضع الناس أقواسا ليقولوا، أحيانا، أن الأمر مازال بيدهم، فهم يكتبون من خارجها بالطبع. إنهم يبقونها هناك مثل أقفاص حيوانات، ويرتاحون قليلا متوسدين مخداتهم ومفكرين في شيء آخر، يتابعون من بعيد حياة كانوا فيها أو كانت لهم، أتعتقدين أنهم واهمون؟
يضعون أقواسا ليقولوا: هذا ليس نحن، لسنا مسؤولون. وأحينا يضعونها بمكر كأنها قَرْصة.

لا أريد أن أشغلك بهذا الآن. سيأتي وقته. فكرت في الأقواس كجناحين. وفكرت فيهما كأذني أرنب. سأخبرك كل شيء ولكن ليس الآن"


".. في يوم ما بعيد جدا، سمعت استغاثة أخي من المطبخ، لا أذكر ما الذي أصابه، لا قصة هنا يمكن حكايتها. هل جرح، أو لامس سلكا كهربيا مكشوفا؟. ما أتذكره برهبة أنني عدوت بسرعة، وعند نقطة بعينها بدا أن قفزتي واسعة وأقرب إلى أن تكون طيرانا، طيران حقيقي خفيف، طيرانلا وزن له. هذا الشعور اللحظي لا يمكن توثيقه طبعا، ذاكرته هناك في جسدي، هذه الخفة المفاجئة كأنها حالة سهو، نسيان للقانون الجاذب.. قناعة جسدية تحققت ببساطة، ولا دليل على ما إذا كانت ذكرى حقيقية أو مختلقة. كانت تلك واقعة حقيقية، إن كان لكلمة حقيقة معنى هنا.
لكن أحلام الطيران، فيما بعد، بقيت أكثر أحلامي بهجة. غالبا ما كان طيرانا قريبا. أفاجأ مثلا أنني أتجه من بقعة إلى أخرى في غرفتي وإذ بي قادر على التحليق قريبا من السقف، وأقول لنفسي في الحلم: إذن هو حقيقي.. فلماذا لا أفعل ذلك في النهار؟
أذكر حلما كنت أطير فيه متوجها إلى المدرسة التي عملت بها قبل سنوات، كان هناك صف من النخيل وأشجار أم الشعور على الرصيف العريض باتجاهها. التحليق كان قريبا جدا من هذه الأشجار، ومن السعف العريض على هيئة مروحة خضراء، ارتفاع يسمح لي أن أكون موازيا للأرض لكن على بعد أمتار قليلىة منها. أتعرفين.. كان الشعور أقرب إلى الحنان منه إلى الدهشة أو السعادة. ولبضع دقائق بعد استيقاظي يبدو السؤال حاضرا: إنه حقيقي.. فلماذا لا أفعل ذلك بالنهار؟. أكذب لو قلت: كنت سعيدا لأنني حر، لم أكن نسرا ولا يمامة، ولا جناح لي بالتأكيد. كنت أطير هكذا ببساطة كأنها إمكانية لم أكتشفها من قبل، كأنها محطة إذاعية لم توجهي إليها المؤشر إلا الآن، كان الصوت موجودا وموجها إليك، كلمات كثيرة تبددت في الهواء، فقط لأنك مررت بها دون انتباه، عضلات قريبة من الحنجرة توترت مئات المرات، لكن الرسالة لم تصل. أتعرفين أي رعب هذا.. أن تشعري أن لديك رسالة لم تكن مودعة في مكان بعيد، بل مضمومة ومطوية في الدم؟
كان الطيران فكرتك أيضا، بل كان فكرتك كلها. عن تحول جذري أتحدث، عن رفض كامل للتسويف والاعتذارات، عن نظرة ذائبة فيما تنظر إليه، بحيث يتبعثر الجسد كله مثل الريش، والفكرة تمر كالسهم بلا زمن. بوصة.. بوصتان؟ هذا ليس طيرانا.، أليس هكذا كان يمكن ن تقولي؟
هذا استجداء، خلاعة، سحر، خدعة. الطيران يكون هكذا.. هوب.
بسبب آلام في عضلة الساقين، وبسبب الوقوف طويلا في حصص الدرس، وبسبب الحيرة التي تراكم أعقاب السجائر، وتترك الرماد الأسود يندس مغلقا الشرايين الرفيعة جداـ كنت أحلم بما كان يخجلني أحيانا. أنا في شارعنا. صباح بارد وعلي أن أسرع إلى العمل، ولكنني أنتبه (هكذا وكأنني لم ألحظ ذلك) إلى أنني أزحف، نصفي الأسفل ليس مشلولا لكنه ثقيل كأنني أجر حياتي كلها بعضلتين. أفشل في النهوض، أرفع جذعي مستخدما ذراعي ومرفقي، ليس ما يهمني الألم بقدر ما ينخسني الشعور بالعار.
لقد مر كل هذا. أفكر الآن في الأرض، في الجاذبية إن كنت تريدين الدقة. أتدركين ماذا فعلت بنا. لقد جعلت من طيرانك مجرد "سقوط حر". قفز رجل أحمق وكأنه اكتشف شيئا عظيما. وكان هذا الشيء هو مجرد مغناطيس، مادة لا تعرف الكلام، ولكنها ببطء تفكك المفاصل والنسيج العضلي والأوتار واللحم.. صوت المغني، والفكرة العابرة بالرأس وفواصل الجمل والأحرف الخربة والصمت.. حتى الصمت يغرق في صمت مثله.
لقد كان عليّ أن أنتبه إلى طيراني الأول، طيراني الحقيقي. ذلك أنني لا أكف عن السؤال: لماذا لا يحدث إذن في النهار؟. ونسيت أنه حدث فعلا. أتدرين كيف؟ بسبب استغاثة. سمعت صيحة وعدوت، وعند نقطة ما أتذكرها جيدا، كنت قد فقدت وزني.
ما حلمت به كان شيئا آخر، ارتفاع بقدر بوصات أو أمتار. أفهم ذلك الآن فقط. كان هذا حلما بالخلود. لعلك تفهمين ذلك الآن أكثر من أي وقت، فسقوطك الحر لم يكتمل أبدا. شيء ما في قلوبنا منعه من ذلك، عائق بسيط كالحب مثلا. أتؤمنين بذلك؟ أنا أومن به.. بدرجة ما على الأقل.
".. هذه قصة حُكيت لي من أيام التلمذة. قصة قصيرة جدا تتعلق بامتحان في الرياضيات، كنا قد بدأنا دروس الميكانيكا، وكأن السؤال عن تحديد مركز الثقل لجسم ما. أحدهم توصل إلى نتيجة جعلته أضحوكة وقتها: لقد استنتج مركز الثقل خارج الجسم نفسه. يضحك التلاميذ في هذه السن على أي شيء.. أي قصور أو عجز. لكن ألا تجدين فكرته جديرة بالاعتبار؟ لقد جاء وقتها.. قلت لنفسي. لاحظي أن لهذه الفكرة معنى مزدوجا، وربما أكثر.
يمكنك رؤية أننا محشورون في أجسامنا أكثر من أي وقت، ولكن هذا لا يجعل لخطواتنا أي ثقل. لسنا خفافا ولا نصف طائرين، نسمع الصيحة ولا نعدو، لأن مركز الثقل في مكان ما غامض جدا، أو لا مكان له. سيف يطير فوق الرؤوس مباشرة بارتفاع بوصة أو بوصتين، نشرة أخبار نحن موضوعها، ولكن لا يمكننا الإمساك بها، بموقعنا فيها.  يمكنك الانصات إلى رفة زاحفة تقطع الهواء. لا جاذبية. نحن أحرار (كما كنت تتمنين) من هذه الناحية على الأقل، نستطيع أن نطير فوق بلاد كثيرة، ولكن بألم الساقين لشخص يزحف.
"مزاجي ليس حسنا. ها قد تذكرت شيئا.. أننا كنا نتنبه بعد حوار طويل أننا انتقلنا من الفراش إلى مقعدي الغرفة المجاورة عريانين تماما، ندخن ونضع ساقا على أخرى. لم يكن هذا مضحكا. كان طيرانا أرضيا. ولكن من كان يستطيع إقناعك بهذا؟ .."

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2019




نحن لا نُغلَب في ملعب الحب .. لأننا نسرع بالفرار


مهاب نصر


"هذا ما قررته إذن.. بسبب العمل المنهك فقط، لا سبب آخر. 
لا أشكو، أصارحكِ، على العكس، إن الجهد المضني بلا طائل يجعلني متيقظا دائما، كذبابة يطير وراءها أحدهم بمذبة. حين أغادر إلى البيت لا أكون راغبا في قضاء بقية الوقت نائما، هكذا أستثمر في الأحلام. عادة قديمة. الأحلام تجلعني يقظا أثناء النوم. لا تناقض أبدا. المذبة هنا أيضا. وكلما ظنوني ميتا، سُمع الطنين نفسه، فوق أنف أحدهم أو عند جبهته. غير مؤذ كالعادة. لم أكتب إليك من أجل هذا، بل لأنني تساءلت أيمكن أن يُصنع شيء حقيقي من حلم؟.. فكرة مثلا.. حياة حقيقية؟ أتخيفك الأحلام، هل تفقدك توازنك في النهار، هل تطن فوق أنفك كذبابة؟ أهي قادرة على إيذائك؟"

"... كتبت هذا إليك لأنها أصبحت طريقتي  للتحقق من أفكار معينة. بعض الفقرات كانت تضحكني حتى قبل أن أبدأ. لا يحدث هذا مع الكتابة فقط. بل الأحلام أيضا، أعني تذكري للأحلام التي أحكيها لنفسي.
ليس من عادتي أن أن أحلم بأمور سيئة. ربما يحدث هذا لكن لا أحد بجواري ليتأكد ما إذا كان وجهي قد تقلص، أو أصدرت ما يشبه الصرير المكتوم، أو، تصوري مثلا، ذلك الصوت المخيف: همهمات متصلة ومتذبذبة كروح تتملص مفلتة بصعوبة من حلقات عظمية بغرض الإخافة تحديدا إخافتنا نحن الأحياء، أو الذين لم يسلمهم النعاس لنوم حقيقي ونهائي.
حلمت بممثل كوميدي شهير أعتقد أنه مات منذ أعوام. ترجّلنا معا من حافلة متوسطة من النوع الذي يتنقل بين الفنادق وقاعات المؤتمرات. فوجئت به طبعا (كيف ومن المفترض أننا كنا في الحافلة نفسها؟) قلت له أنني لم أنسه منذ أول دور رأيته فيه وأعدت جملة كان يكررها في مسرحية ما "...محمد الزبال بيتكلم".. أتذكر؟ قلت له.  أصبح المشهد مختلفا، بجواري ممثلة أخرى راقصة في الأربعينيات تقريبا، ذراعها مكشوف، بدت لي طيبة (أعني الذراع)، وأعذريني على هذا الوصف. جلستْ هي وممثلتان أخريان، لا أذكرهما، على الكنبة قبالة فراشي، حيث وقفت أنا على حافة الفراش نفسه أؤدي مشاهد مقلدة لأضحكها. في الحلم كنت طفلا، أو بلا عمر محدد تقريبا. لكن الجميع كانوا كبارا بالنسبة لي.
هذا النوع من الأحلام لا أحوال فهمه. إنه يطمئنني لا أدري كيف. ويبدو أن به نوعا من المواساة، أنهض من نومي بامتنان. تعطينا الحياة أحيانا أشياء لا نستحقها، ولم نطلبها.
ما يزعجني هو أبي. لا تخافي. وأرجو أيضا ألا تعتبري هذا هروبا أو نكوصا. على أية حال أنا لا أنظر للزمن هكذا أبدا، ما كان وما سيكون. بالطبع هو ميت، لكن عليك أن تعلمي أن الموت يخص الموتى أنفسهم فقط. بالنسبة إلينا، الأحياء أعني، لا شيء يموت. ما يموت فينا يمرضنا حرفيا، من نميتهم عامدين أو بالنسيان، يجعلوننا نحتقر أنفسنا بطريقة ما. بعض الأشخاص يدفعوننا إلى ذلك، إلى نسيانهم, ربما يكونون قد آذونا جدا ذات مرة. وهم يريدون أن يقولوا، كما لو كان هذا ممكنا، هيا.. إنسوا كل شيء. يغرونك بما يسمونه نضجا. هم أنفسهم لا يصدقون ذلك، وعليك ألا تصدقيه أيضا. لا شيء يموت بالنسبة لحي. إنها ركلة مزدوجة لو صدّقتِ. يريدون أن تنسي لينسوا هم أيضا. تصوري. إن نسيانهم معلق بنا أكثر مما تعتقدين، أقصد معلق بنسياننا. تلك هي المفارقة في الشر.
جربي هذا، وستكتشفين بنفسك. لا تريهم الذراع الميتة، بل الحية، كما نظرتُ إلى الراقصة في فستانها المكشوف.
لن أستطيع أن أكمل الآن. هناك شخص عليّ أن أقابله بعد قليل. يضايقني أنه لا يهتم بالتدخين. آخر مرة كدت أختنق. اقترحت عليه أن نجلس بالخارج. كان الجو رطبا، وكأن ذرات صغيرة من الملح تسكن لحمي. أحك جلدي، وأنصت إليه. لا أريد أن يصل هذا الملح إلى لساني، لا أريد أن أهاجمه لمجرد شعوري بالإجهاد.
إنه يسأل عني دائما. الأصدقاء أصبحوا قليلين. وهو يحب التحدث عن الكتب. أيضحكك هذا؟"

"قبل أن أكتب لك اليوم نظرت في ساعتي، وقلت: جيد.. أمامي اليوم وقت أطول. تعرفين. أحتاج إلى وقت أطول لأصل إلى ما أريد. أنا لست مثلك. تفعلين هذا بسهولة لأن سكينك حامية. أنا لست سكينا. أتجنب النظر إلي السكين مباشرة. ربما لا تصدقين لو قلت لك إنني حين أصُفّ السكاكين في الحمالة الموضوعة على رخامة المطبخ أجتهد في جعل طرفها الحاد في الجهة الأخرى. أقول: أخشى أن يلمسها أحد بطريق الخطأ.
لم أتعلم هذا من أبي. لا أعرف من أين جاءني هذا الخوف من الإيذاء. أن أرى أحدا يؤذى، أن أتألم بدنيّاً حتى قبل أن يكون الألم قد نبه أطراف أعصابه وكأنني هناك. هذه قسوة أيضا. أن تحيطي العالم بسلام لا يقطعه جرح ولو بطريق المصادفة. نوع من التهذيب واللياقة الملزمة حتى للأشياء. القريبون مني جدا يحسون بالإحباط دون معرفة سبب محدد. أنت نفسك حين زاد وزنك كيلوين أو ثلاثة، نظرت إليّ بتذمر. كنتِ قد بأت تأكلين بشهية، وتضحكين بسهولة ونحن في الفراش. بدأتِ تشعرين بما شعرت به تجاه صديقي. تذكرت هذا الآن. إنه لا يحب التدخين. واضطررت بسببه أن أجلس في الهواء الرطب. بالطبع أنت لست ساذجة لأقول أن ما ينقصك ليس سوى بعض الشِجار. لقد أدركت بحدس صائب قسوتي. وأدركت ذلك أيضا، حتى لو لم أتمكن من فعل شيء. أترى كان بالإمكان فعل شيء؟
لك أحزانك، وأنا أتفهمها. أنت مثلي ترفضين النسيان. يجب أن أقدر هذا. لا تذكّرين نفسك من أجل الانتقام. لا. أنت لا ترغبين في الانتقام، بل فيما هو أقسى: عدالة تضاهي محبة لم تمنحيها بعد لأحد، عدالة تأخذ روحك إلى الكفة الأخرى, الكفة التى ظلت فارغة، خفيفة وموحشة. أن تضعي قلبك هناك إلى الأبد، وهذا يعني أنك كنت تتنظرين الله نفسه، مع أنك لا تؤمنين بهذا فعلا، وتلك مفارقة ثانية، وتعرفين مسبقا: كان سيضجرك مثلي تماما.
قلت "أبي" وأنا في الحقيقة أريد أن أتحدث عن حلم. ولكنني مضطر أولا لسرد قصة. لم أحزن كفاية لوفاته. تعرفين ما أعني. لكنه من المظلم أن يرصد الواحد مشاعره من جهة واحدة. قبل أن أؤنب نفسي كنت قد فلسفت الأمر كله: "موت يليق به" قلت. لم يكن مضطرا إلى السقوط من فراش متعرق لنهرع إليه "ماذا فعلت بنفسك؟"، لم ننتظر إلى جواره حتى يبتلع القرص الأول والثاني الذي سيشرق كل مرة قبل ابتلاعه. لم نتظاهر بابتسامة تطمئنه، ابتسامة خبيثة نعلم أن من في مثل حاله لا يصدقها. أي حال؟ هو لم يمر بذلك كله. ذاكرتنا توقفت عند كتفيه وهما يودعان قبل أن يغلق الباب خلفه. لم نؤذه أبدا بالتظاهر بالصبر. كأنه مسيح رفع، ولم نر حتى جثمانه على الصليب. موته الذي ليس موتا بل حالة اختفاء، تركت خطواتنا تتعثر عائدين من حجرة الإنعاش التي لم يعد يشغلها، فقط قبة شفافة فوق سرير فارغ، لا أثر للروح، ولا للنزاع مع ملائكة أو شياطين. موت ثقيل، لدرجة أنه يمسح كل اتجاه عليكِ أن تتحركي فيه. كل مساحة فارغة، لكن فراغا وهميا مبطنا بثقل لا حدود له.
فلسفت الأمر "أنت نفسك تتمنى موتا كهذا". أن تموت بصورة كهذه يعني أن تظل صديقا إلى الأبد. لم تسمح بمشاعر الإذلال والتبني المقلوب. أن يتحول الآخرون إلى آباء لعجزك، ويكتسبون فتوة مفاجئة ونشاطا خبيثا بسبب الوصاية على موتك، والتأكد منه. 
شيء أساسي أريد أن أذكره هنا، هو أنني لم أخطط لحياتي مطلقا، لأنه صار لي صديق من بين الأموات، صديق لا يموت. أو هذا ما كنت أتصوره. كان الحائط الذي يفصل الناس عن الجانب الآخر، ويدفعهم في الاتجاه العكسي بزعم أنهم في "مهمة" لا بد من إنجازها، غير موجود بالنسبة لي. كنت أتسلق هذا الحائط في النوم. أو ينهار تلقائيا. ويعود أبي بصورته نفسها. يدي، أويده على ركبة الآخر، نكمل حديثا عاديا، وأحيانا ذا بعد رمزي غاية في السذاجة.
مثلا حين كنا نتكلم عما يدور في شقة الطابق العلوي، حيث كان (هكذا بدا في الحلم) رئيس دولة ما وملك أخرى يتهامسان في شأن حرب قريبة. تركت أبي برهة وخرجت إلى البلكون ناظرا إلى أعلى. ومن هناك أكملتُ بنبرة تهكم فاضحة ليسمعنى "أنظر.. كأنهم يعرضون معجزة". كانت صفحة السماء بامتدادها المنبسط قد بدت مثل شاشة تلفزيون هائلة ومخيفة، بخطوط بيضاء وسوداء ورمادية متعرجة كما كان يحدث حين يعطب أحد المحولات في أجهزتنا القديمة. ثم انتقل المشهد، أو هكذا أتذكر، إلى صحراء واسعة، وعلى رمالها ممدين فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي، الكوميديان المعروفان، شبه نائمين أو غائبين عن الوعي، ثم إن أحدهما يفيق، وينقر جبهة الآخر بسبباته فتخرج من رأسه الممثلة هند رستم، مثلما يخرج المارد من قمقم. أهذا هو الحلم نفسه مقلوبا؟ لا أدري.
أصاحرك أيضا أنني لا أحب هذه المرأة. إنها مثل كرة المطاط، تضربينها في حائط فترتد إليك بالابتسامة المصطنعة نفسها. هذه مسألة جانبية. لأنه لا حلم يقول شيئا واحدا كما نفعل في الحياة، ليست لديه "مهمة" كما يُزعم.
ما يقوله الحلم لا علاقة له بالمشهد المصطنع، ولا تأويله المخجل، وإنما بمشاركة شيء ما كأنه سر، أو العكس تماما افتعال سر كأنه حقيقة لمجرد المشاركة.
هناك مخاوف بالتأكيد، حتى إنها ليست هينة أبدا. لكنّ هناك نوعا من الائتناس عبر الحائط المنهار، غمزة، أو لكزة كتف "تفهني طبعا".
هذه الأحلام كانت تبقيني نشيطا بشكل ملحوظ. لقد حلمت بك أيضا بعد ما حدث. لا أقول هذا لأتملقك. أنت لا تحبين التملق، أو لا تحبين أن يبدو عليك الإعجاب به، لأن هذا يحرجك أمام نفسك بالذات. سأعود لتلك المسألة فيما بعد. لأننا هنا متشابهان بطريقة تفسر كل شيء. أعتقد ذلك.
كنت في بيت عمتي، على فراش يواجه باب الشقة (وهذا لا علاقة له بواقع تصميم المكان). شراعة الباب مفتوحة، وهناك ضوء نهاري هادئ بحيث كان يمكنني أن أراك بوضوح من بين طاقات الحديد المشغول. فستان أبيض كأنه فستان عرس، لكنه ليس كذلك تماما، يشبهه فقط. لم تنظري إليّ من هناك، ولا حين دخلت (لا أذكر هل أنا من فتجت الباب أم دخلت هكذا؟) لم تنظري إليّ أيضا حين تمددت إلى جواري وأنا سعيد بشكل لا يوصف. لم تبتسمي، كما لم يبد وجهك غاضبا. كان لوجهك تعبير يصعب شرحه؛ ليس مهموما ولا مبتسما في وجل، ولا متحفزا، تعبير  شخص عرف حقيقة ما الآن فقط، حقيقة أجبرته على الصمت، حقيقة استنتجها بنفسه، جقيقة لن ينكرها لأنه لا يحب الكذب. ولكنها ليست خبرا سارا بالضرورة. في الحلم كنت مشغولا بالقرب نفسه، الذي استمر دون أن يلتفت أحدنا إلى الآخر، وحتى بعد أن استيقظت، وإلى وقت قريب جدا، أي طوال كل تلك السنوات. لم أنتبه إلى هذا التعبير إلا وأنا أكتب الآن..".
".. أتصور أنك قرأت الكلمات السابقة دون إساءة نية. أنا أيضا أريد أن أكون مباشرا دون إبراز أية إضافات، لكنك تعرفين: حتى المباشرة يمكنها أن تستنزفك، إذا أراد الواحد أن يكون صادقا، لأن الكلام نفسه يكشف ما لم بكن في الحسبان. يعتقد الناس أن الحقيقة هي الخط المستقيم، يمكن للصراحة أن تكون هكذا، ولكن ليس الحقيقة. وبمعنى ما فإن المباشرة إدعاء وقح. أرجو ألا يكون هذا مجرد حكم لإحداث صدمة. ما أعنيه أنه يجب علينا أن نكون واضحين وصرحاء، لكن الكلمتين لا تعنيان الشيء نفسه.
مثلا امتدحني صديق مرة بقوله أنني شخص لا يحتمل أن يتسبب بأذى. لقد تمسكت بهذا الإطراء واعتبرته حقيقة. وكنت أقول لنفسي "إن ميزتي أنني لا أؤذي" مكررا العبارة نفسها تقريبا. إننا متشابهان جدا في هذه القصة. لا.. لا تعتقدي أنني أتمحّك بافتعال نقاط للتشابه كأنني أضع المقدمات التي تضطرك إلى قول "وإذن؟..".
أنت لا تحتملين إيذاء أحد، لا تتمكنين من فعل ذلك عن عمد. ولكنني أقول الآن: كم كان ذلك مؤذيا! كنا نجرد خصومنا من أي سلاح، كانوا يبدون أسوأ حالا مِن مَن استسلم في معركة.. أي معركة وقد أشحنا بوجوهنا؟ حتى رَفْع اليدين بالاستسلام سيكون بلا معنى، مسخرة فقط. كنا نهين الكرامة حيث نتركها عارية بلا تحية. أتعرفين، نحن من نوع لا يمكن أن يُحب دون أن يشعر محبوه بشيء من الكره، بقدر عميق من التعاسة التي لا تبرأ. لكن هل كان بمقدورنا فعل شيء آخر؟..".
" أعرف أن الكتابة تدفع الواحدأحيانا إلى التلاعب. لهذا قضيت الأيام السابقة وأنا أفكر بك دون أن أكتب.
 لقد ابتعدت عنك مرة شهرا كاملا، وساء بالطبع ظنك بي. قلتُ: لا يمكن أن أخدعها، هل أحبها فعلا؟ هل أستغلها؟ إلى أي مدى يمكنني أن أبقى إذا مضت وتيرة الحياة البليدة؟ بأي قدر سأكون مستعدا لتهدل اللحم، وبداية الشكوى من الآلام الطارئة؟ كيف سيمر الوقت إذا نفدت الكلمات؟ يمكن بالطبع إدراك مدى الغم في حب كهذا.
 أردت أن أكون واضحا ومخلصا، فانظري أي غباء في الوضوح! ثم هل يغير هذا شيئا؟هل كان الحب أسفل مني لأحفر وأتأكد؟
 كنت تقولين إنني بدوت مرعوبا بسبب إقتحام خصوصيتي. لا، كنت مرعوبا من نفسي ومن خصوصيتي نفسها، من المستقبل، لأنني، ودون أن تنتبهي لهذا، كنت أتمكن من النوم بسهولة إلى جوارك. كنت أريد أن أظل مستيقظا لكي لا تفوتني هذه الساعات أبدا. لم تشعري بذلك بالطبع. كنت أحني رأسي قليلا وأظل أنظر إلى جبينك الرائق العنيد. حضرت في رأسي عبارة من رواية، أقل من عبارة، مجرد صفة لعلاقة (...كطالب وطالبة). وأسأل نفسي دون أي إيمان، ماذا لو كان ثمة جنة بالفعل؟ كنا جلسنا على سور خفيض، حافيين (كطالب وطالبة) كما لو بعد نزهة، ننظر إلى العالم في الأسفل.. العالم الذي كنا فيه بالأمس، ونضحك. هذا هو مبدأ الوضوح، مبدأ ماذا سنكون بعد الموت؟ أو بالأصح، ماذا لو كان شيء ما هناك، وراء الحائط الذي يهرب الناس منه باعتبار أن لديهم مهمة "هنا". بالطبع يمكنك القول إن هذا الحائط غير موجود أصلا، وهو ما يعني أننا "هناك" منذ الآن، وأن من ماتوا لم يموتوا بالنسبة لأنفسهم، لقد ظلوا إلى آخر وقت ينتظرون معجزة ما، لم يتح لهم أن يعرفوا أبدا "ماذا حدث"، لقد ماتوا بالنسبة إلينا فقط، أي صاروا أصدقاءنا إلى الأبد، وهذا هو مبدأ الشرف.. أعني: أن نستبق موت الآخرين، أن نحبهم كأننا التقيناهم هناك. كأشخاص يأتوننا في حلم، ويرقدون إلى جوارنا دون كلمة. وقد غفرنا كل شيء".
".. تعرفين أنني أغني منذ فترة في أحد الكافيهات، وأحصل على أجر ليس بالمجزي لكنه يسعدني. تسعدني الفكرة نفسها. كان للكافيه حديقة صغيرة ملحقة به، عادة ما أخرج إليها بعد وصلة تمتد لساعة تقريبا، تحضر النادلة الفلبينية القهوة وتتركها على طاولة صغيرة مستقرة فوق العشب. هناك بينما أدخن، كانت تأتيني ورقة او اثنتين بأرقام تليفونات، وكنت أبتسم في سري. كانت هذه دعوات لسهرات خاصة أعتذر عنها. "ليس إلى هذه الدرجة" أقول لنفسي، مكتفيا بمتعة خبيثة، وهي أنني كان يمكن أن أفعل.
"يمكن أن" هذه كانت إضافتي الأساسية على أسلوب أبي، إضافتي العاصفة إذا شئت أن تقولي. ربما لهذا، ودون وعي كامل، كان ثمة شيء مريح في موته. كنت أعرف وإن بصورة مشوشة، أن حياتي ستكون أمرا مخيفا بالنسبة له، وقد كانت فعلا حتى قبل رحيله بسنوات. رجل بطبيعته لن يقول لي ذلك أبدا، وصداقتنا الملتبسة بالأبوة والولاء ستصبح مثل مرارة دائمة في الفم. كلمة ستطير في الهواء ولن ينطقها أحد، لن تُسمع (ليس هذا ما تفقنا عليه). ما أصعب التغيرات التي لا يجد الواحد منها مفرا في شخصيته، ذلك أنها تؤذي، وتبعث برسالة (لم يعد هو الشخص الي نعرفه). يتنبأ الواحد بها وهو مدفوع في الطريق الآخر، وكأنه محمل بعبء مضاعف. وكأنه يعتذر عن شيء لابد منه. ويعرف ألا معنى للاعتذار، وهو ما يجعل الفكرة نفسها أشد قسوة.
إنني أقترب كثيرا من النقطة التي تشغلني، ومن أجلها كتبت لأستوضح منك. المسألة ليست فيما إذا كان كان من حقنا أن نتغير، وأن آخرين لا يتفهمون. لا، فهذه هي الصيغة التي نحب أن نلخص فيها فكرتنا. إنها تجعل تغيّرنا عنادا فحسب في مواجهة شيء ما لا يعلمه إلا الله، تخلق له أعداء، عراقيل، موانع عاطفية مثبطة لابد من إزاحتها فورا، وإدانتها أيضا. لابد من طمس "لا أخلاقية" التغير بطرثيقة مبتكرة، وهي أن نتبناه أخلاقيا، باعتباره مهمّة "لماذا لا يدعوننا في طريقنا.. لماذا يعيقون تقدمنا؟"، لكننا نعرف، أو لا نعرف، أننا مدفوعون، أن قدما، وربما أكثر، تركلنا من الخلف، أننا غير مسيطرين على "الموقف" كما يبدو، أن جزءا منا يشعر بالرعب من فقدان السيطرة بدأ من الجسد، حين ينمو الزغب على طرفي الفم أولا، حين يُسرق صوتنا في ليلة، ونفيق بصوت آخر كأنه من حنجرة مستعارة. نبرتنا العدائية تعبر عن شيء مفقود، شيء نعرف أننا نفقده بلا أمل، وتبدأ رحلة غريبة من آلام العضلات، نوع من التحفظ المتبادل ورسم الحدود، رعب نسميه "الاحترام الواجب"، الاستقلالية، "أنا" التي يمكن أن تقال بتواضع، إذا كان الشخص ذكيا بما فيه الكفاية ليخفي وراءها "لا تقترب". نحدس أن كل هذا ملفق، داعر، لا إنساني، لأننا حين نحب.. يا الله... كم تصبح هذه الأنا مستذلة، مكشوفة، زاحفة على أربع، مكومة في ركن، ومثل أي طفل.. تبكي.
ما أريد أن أقوله، وهو سؤال، أنت نفسك، ألقيته عليّ بيأس ذات يوم، لمَ يفتِننا الشر؟
هل كان هذا هو سؤالك حقا أم أنني أحرّفه بعض الشيء؟ لأن الموضوع لا يتعلق بالشر بقدر ما يتعلق بالافتتان. أنا مرتبك قليلا، لأن كل هذا قد مضى في الحقيقة ولم يعد له وجود، ولكنني كلما اقتربت منه، كما يقترب الواحد من جثة، خيّل إليّ أنني أستمع إلى وجيف خافت، ورائحة دم حديث، وما يشبه الاستغاثة من فم مطبق، شيء ما كأنه يقوم من بين الأموات...
في الواقع لقد ضممت فكرتين في سؤالي الذي صغته وكأنه سؤالك أنت. فعلت ذلك عن قصد. ليس لأقول أن الافتتان والشر شيء واحد، بل ما هو أسوأ.
لحسن الحظ أننا كنا نعرف دورنا في هذه القصة. سمحنا لأنفسنا كل بطريقته، أن نفتتن بوضوح، كما لو كنا نطالب بحق. وبهذه المقدمة استعجلنا الشر. لكننا لم نغلب أبدا في ملعب الحب.. لأننا كنا نسرع بالفرار عند أول رمية جانبية.

....
"لا توجد أسباب وجيهة لذلك".. لا يتوقع الواحد إجابة أفضل حين يهيم أحدهم/ إحداهن بشخص ما. كل وصف آخر: رائع، مغو، شيطان، طيب رغم هذا...
كل عبارة ستبدأ بـ"إنه.." سنعتبرها من قبيل التلويح باليدين، عمل يائس لغريق. هل الحب استحقاق؟ ناقشني صديق مرة. لا أذكر الآن ما قلناه.
لقد طرأ شيء جديد على أحلامي. عاد أبي. ولكن أي ارتباك سببه لي! لا أذكر متى بالتحديد، ولكنني بالطبع أتذكر الكآبة التي فسّرتها بطريقة أنانية. بدا أننا نعيش بدونه. البيت كما هو. هناك افتراض بأنه تركنا، أنه يعيش في بيت آخر. لا يقال هذا في الحلم صراحة، بل يفهم ويُستشعر، مثل هواء نكد. زوجة أخرى ربما. أمر غير مؤكد. يأتي أبي إلى البيت ولكن كزائر، لا أعرف وجهته. وكزائر في بيت هو بيته، يمكنك تصور الحرج، حالة الصمت، الإشاحة وتجنب النظر المباشر أثناء الكلام، كل ما يقال لم يعد من الممكن تصديقه بشكل كامل، إنه يقال "لنا". ثمة مشاعر لن يظهرها "هنا"، سيحتفظ بها لمكان آخر. هنا لم يعد لائقا الابتسام. يمكن لكلمة أن يساء فهمها.
ليس هذا وحده ما أصابني بالكآبة. بل ما فاجأني هو كآبتي تحديدا. أنني لم أطق منحه حرية أن يكون شخصا آخر ولو في حلم، بل مع كونه ميتا.. وهذا أمر لا يمكنه أن يكذب فيه. أتراه كذب حقا؟


هل كانت هذه إشارة انقطاع متأخرة جدا "عليك من الآن تكون نفسك" كما يمكن أن يخبرك طبيب بينما تعبث يده بشيء ما على مكتبه؟ يتجنب النظر أيضا ليمنع  رؤيتك له كوجه إنساني مثلك تماما، يعرف، إن لم يكن غبيا كفاية، أن ما يردده ليس أكثر من حماقات. قد يكون هذا صحيحا. وربما كان الأمر كله عكارة مزاج، نوع من المجاز لانعدام الرضا عن الذات. ما يشككني كثيرا في هذه المسألة هو اللغة. أتدركين قصدي؟ حتى في الأحلام يستخدم الواحد كلمات (أو يهيأ له أنه يفعل) ليحتفظ بالحدث، ويعرف بصورة أكيدة أنه سيحمل هذا الشيء إلى ضفة أخرى إذا ضربت الشمس وجهه في الصباح، وألا طريقة لهذا الانتقال الخارق إلا بكلمات، إن الواحد لا يفتح عينيه على وسعهما فقط في حلم بل يحرك شفتيه أيضا، أؤكد لك. أتثقين أنت فيها.. هذه "الكلمات"؟
إنها رسالة أخيرة، لهذا تتكرر كما هي تقريبا بتفاصيل لا تترك أثرا. شعور واحد طاغ بعدم الارتياح. هل يريد أن يودع نهائيا؟ أفكر في ذلك الآن. "لي حكاية لا تعرفها" كأنه يقول، و"هي" ليست لك. لقد بدا لي الآن أبا فقط، أب لا صديق، أب يحجز بجسده ما وراءه من أسرار، أب يهجر، ولديه مفتاح بيت آخر، ليس بيتنا فحسب.. بيتنا؟ يا إلهي!
هل عليّ أن أطلق الآن سراحه؟ أظل مقيدا بي طوال هذه السنوات، "عليّ أن أكون نفسي" هل هي عبارته أم عبارتي؟ هو أب.. لابد أن يموت، إنه يقدم نفسه بلا مواربة، بعاتباره "لست من تعرفه فحسب"، أما كصديق فهل يدعوني إلى بداية جديدة؟ أيمكن هذا أصلا؟. لن يكون هذا في البيت. ولم يعد من الممكن اللقاء على مقهى مثلا، لأنه لا مقهى سيتقبل هذا الوضع المربك، كرسيان لميت وحي يتبادلان السجائر والأسرار. سيُعتبر هذا نذير شؤم.
إنني عادة ما أتحدث بصوت مسموع إلى موتى وغائبين، منذ سنوات طويلة درّبت نفسي على عدم الخجل من هذا، زملائي يعرفون، ويخبرون كل شخص جديد "لا ده انت ما تعرفش" ويكملون ضاحكين وأضحك طبعا. لقد نلت تقديرا استثنائيا في سني حياتي الأولى بسبب هذا الرجل  الذي يختزل في صمت كئيب رغبته الرحيل. لا يعرف هو ماذا فعل حقا. لقد شجعني هذا،بعكسه ربما، على تلويث حياتي، مع ثقة كبيرة وبلا أي مشاعر متحدية "ليكن.. سينتهي هذا حتما.. لا بأس من قذارة هنا، لطخة أو لطختان أمر طبيعي جدا" ولحسن الحظ أن هذا لم يمنحني تواضعا، بل قربني من الطبيعة (كلمة مضحكة حقا)، من المكان الآخر غير المسمى هذا، من الموتى الذين لطخهم عار الموت. فالموت نفسه عار، عارنا كلنا، نحن الذين ندير وجوهنا لأن لنا "مهمة" أو لأننا "نريد أن نكون أنفسنا".
هذا هو مبدأ الافتتان، ليس حب الآخر، ليس "الموضوع" هو محور الافتتان. هل استعملت الكلمة الصحيحة؟ ربما كان "الحسد" هو ما يؤجج الافتتان،  حسد للإله ربما، حسد لمن نتصور أنهم قادرون على الإشاحة عنا، للنائمين بخلو بال، المكتملين كالبلادة.
 نفتتن لأننا لا نتوقع ما هو أفضل أفضل لأنفسنا، شكاكون حيث يكون الشك، بالذات، هو حافز التشبث والإذلال. نتوقع من الآخر شيئا شبيها بميت، ولكنه حي ومستفز، صلب ومتماسك، "له حكايته" التي لن نعرفها، مفتاح بيت آخر ليس بيتنا. نفتتن لأنها طريقتنا في التعبير عن الهلع، عن رعب انكشافنا، وسعادتنا الخبيثة أيضا بهذا الانكشاف، كما لو كنا نستحق إهانة من نوع ما، تلك السعادة التي يطفئها الهلع سريعا.
أنت تقرأين الأدب الأوروبي أليس كذلك. سأقول لك شيئا، هؤلاء المهاويس اللاهوتيون لم يكبروا أبدا.
"الواحد" بالنسبة إليهم هو الإغواء الحالم والإجرامي، حتى وهم يزعمون موته تفتيته إزاحته من المشهد، وضعه على هيئة نقاط بين قوسين، اعتباره فرضية ضرورية، ضمانة لعدم انهيار السوق، ركلة لا يمكن النظر إلى الورواء للإمساك بالقدم التي نفذتها، صفحة سقطت من كتاب بلا وجه. وبالمناسبة.. هكذا يحبون بالضبط. الواحد أيضا أول الأعداد، آخر درجة في السلم، في التراتب الذي يعني بالضرورة تنازلا ما وتضحية غير ضرورية. يرتبط الإيمان والحب بإهانة وكأنهما الشيء نفسه. هل يلام أحد على تفاهة محبوبه؟ بالعكس تدعم التفاهة الحب، أعني الافتتان.. لا أعرف.. عليك أن تختاري أنت الكلمة الملائمة.
....
أتعرفين؟ لا يوجد أشهر من عبارة أن التحليل النفسي كان صدمة ومهانة لـ"الأنا". هذه خدعة، لقد دعم هؤلاء المجانين عزلتنا بوقاحات لا مثيل لها. ففي النهاية لا يبقى إلا الأنا نفسها، حائط أخير لمنع الانهيار، قناعة مؤقتة عاجزة تماما عن الفرح، بخار لطبخة مسمومة يتكاثف ثم يسقط على رؤوسنا. علينا ألا نبدي السخط من هذا، أن نكمل السير إلى محلات العمل منظفين ستراتنا من الوسخ الذي سقط من أعلى أو من أسفل. علينا أن نتحفظ، (هذا شرط أساسي)، أن نحكي مشاعرنا لأنفسنا بطريقة خبيثة تشوهها وتظهر تفاهتها. أو بالطبع: أن نكون مجرمين، لأنه حقنا.. طبيعتنا. إما السر وإما الفضيحة.. وكلاهما الشيء نفسه.. لاحظي ذلك، وما بينهما حياة بلا وعود.  
"طوال هذه السنوات، على أرض احتجاجات خشنة، كل ما حدث هو افتتان، هو حسد، أو هو قمع ومداراة للافتتان والحسد."





".. أنا لم أتساءل أبدا ما إذا كنتِ حية أم ميتة؟ ما أدراني؟ يشيعون هذه الأيام عن أشخاص شاهدنا إعدامهم، أنهم لوحظوا على عجل بين جمهور كثيف في مباراة، أو أنهم يعيشون بأمان تحت رعاية مخابراتية."
"كنت أريد أن أكلمك عن الأحلام.. كانت هذه هي فكرتي فحسب. لكنني مضطر أن أصارحك الآن، إنها ليست مجرد فكرة، لقد ألقيت بثقلي كله هناك، في هذا الجانب الآخر. إنني أقيم، بهذا، العالم على قدميه بعد أن كان سائرا على رأسه.
لا أقصد أحلام اليقظة. بل التي هناك، التي جئت إليّ فيها دون كلمة، وكنت سعيدا جدا. عليك أن تكرري هذا.
يقول روائي على لسان شخصية إن الموتى يشدون الأحياء إلى "موتهم".. الحقيقة، لا أعرف كيف أقول هذا، أنني أحببت بعدك، ربما بسبب اطمئنان وفره لي حلم. وبطريقة عجيبة للغاية: فتاة كانت تنتعل معظم الوقت حذاء عسكريا (لا أقول يشبه الحذاء العسكري، ولا ألقي بمجازات) وكانت تقرأ الفنجان وتدخن كأنها تختلس شيئا، ولها طبقة صوت تذبح  من العنق، وأحببت واحدة، ليس أكثر من شهر، كانت تحدثني عن خروف العيد، وكيف أنهم لم يجدوا له مكانا إلا البلكون، وتقول "اسمع". وهو يرفس الشيش.  هناك ما لن أحكيه لك الآن.
ذات الحذاء العسكري كانت تحب إظهار التفاهة. تعلمين كيف يتصرف هؤلاء الناس، كمن يهدم دور شطرنج، أو يطيح بأوراق اللعب في الهواء باستخفاف مصطنع (أعرف واحدة كانت تفعل ذلك حرفيا) لدى هؤلاء غالبا شيء عميق يخافون من غمس أصبعهم ولمسه، يتنبأون به ككارثة، ويحتفظون به كحمْلٍ لا يكتمل أبدا، ولا يصرحن به حتى لأنفسهن (لا أتلاعب بالضمائر) يخترن دائما الاختيار السيء نفسه بما يشبه العمد، لتسخيف أنفسهم بالذات، لإبقاء الجنين سرا، وإيهام الجديد بأبوة أو أمومة زائفة.
إنه شيء خسيس ومقزز، إذ لمجرد ألمٍ لا أصل له، أو مجرد الاعتقاد بأن ملامسة الحياة "الحقيقية" يطل الموت نفسه، يؤذون إلى أبعد حد. انا غمست إصبعي وكفي وذراعي كلها.. كان هذا قبل أن يبدو العمق أمامي.. ما يأتي، ما هو مرهون بك، وبيد أخرى تقول تعال.
أنا مضطر إلى الإشارة إلى نفسي بيد مضمومة،.. هذا ما أرجو أن تساعديني فيه.
كنتِ حين الاستغراق في النوم تجذبين الوسادة فوق رأسك، وقلت لك مرة (أو ربما كتبت.. او اعتقدت أنني كتبت) أن أذنيك مقلوبتان إلى الداخل. وتصوري هذا.. لقد اعتقدت أنني يمكن أن أتلصص، أن ألقي بأذني "هناك".. ماذا كانوا يقولون لك ياغاضبة؟
أنا أعيش بهذا الغضب نفسه، لكن دون أن أعرف السبب، ولهذا عليك أن تأتي.  


السبت، 5 أكتوبر 2019













                                     الجغرافيا المقلوبة


أزمة المكان الروائي عند نجيب محفوظ
                                                         "إن الصحراء تغزو المدينة سواء في
                                                                                                ذلك طرقها الفسيحة ، أو الأزقة
                                                                                                المتعرجة في الأحياء ...   "








مهاب نصر


في كتيبه الصغير شبه السياحي "القاهرة" يرصد ديزمونت  ستيورات وجه القاهرة ومباهجها وكأنه يسطع  فوق لوحة  متربة، فهي في المقام الأول بالنسبة إليه مدينة صحراوية، رغم أن هذا الحس الصحراوي الذي يغلف موقعها سرعان ما يتم تناسيه في عمق مدينة تعيش الصخب والزحام اليومي مشتبكة مع كل مظاهر الحداثة، ومنشغلة جموعها بالحاضر واللحظة باعتبارها عاصمة تصنع الحدث و( الآن ) على مستوى وطن كامل.
"النسب الصحراوي" لمدينة القاهرة ـ إذا صح هذا التعبير ـ هو أيضا وبشكل موسع المدخل التاريخي لوصفها  عند جمال حمدان، الذي يحدد ما يشبه القطيعة العمرانية مع النمط الفرعوني للعواصم المصرية، تلك القطيعة التي بدأت مع الفتح العربي ببناء العاصمة على الجانب الشرقي من النهر كمدينة حربية "تنشد موضوع حماية معلقا على التل، ومحصنا بالطبيعة، فكانت في النتيجة ـ أي العاصمة ـ  مدينة أكروبولوس أي مدينة قمة تل، وحين بنيت "العسكر" إلى الشمال الشرقي منها ثم القطائع على جبل يشكر في الاتجاه نفسه وأخيرا القاهرة المعزية التي بدأت كمدينة ملكية محرمة فإنها لم تغير من هذه الصفة الأكروبولية العسكرية أساسا".
اتخذت العاصمة من أضلاع هضبة المقطم مسندا لسلطتها ونفوذها، وكانت الحدود الجنوبية للتلال الشرقية هي " الثابت الاستاتيكي " في حركة المدينة ونموها إلى الشمال والغرب باتجاه النهر وبصورة متدرجة في الزمان، تاركة بقعا من عمارة تاريخية غير منتظمة تمثل خليطا حضريا مربكا. ولأن نمو المدينة ـ مع ظاهرة تراجع النهر باتجاه الغرب ـ تميز بعدم الانتظام فقد ترك مساحات فارغة من الخلاء تتخلل الأحياء المعمورة.
هكذا وانطلاقا من الصحراء لم تتحدد فقط المرجعية الجغرافية للمدينة، بل شكل الشاهد التاريخي الذي انعكست على مرآته حركة النمو والحياة. هذه اللوحة الجديدة التي تبرز فيها القاهرة هي نفسها ما كان يمكن أن يراه  الزائرون من نوافذ طائراتهم قبل هبوطها بدقائق، كعاصمة تلمع وسط الغبار الزاحف من التلال المحيطة بها.
إنها اللوحة ذاتها التي تتشكل بأناة وإصرار عبر  روايات نجيب محفوظ ونصوصه القصصية. فأحدوثة القاهرة المحفوظية تلفها أنفاس  الخلاء المترب وتقتحم سردها عواصفه المحتملة، وإلى التلال المحيطة بها يأوي رواتها وأبطالها.
ولا يتمثل حضور الصحراء فقط في ظلها الجاثم على صدر المدينة أو في الاستعانة الرومانسية بها كوسادة رابية  تتوسدها المدينة في ليالي الأرق، بل في حال الغموض الذي يسم الشخصية الروائية المنتمية إلى مكان كهذا، وفي الانبثاق المفاجئ للرغبات الحارقة، في الوجوه السارحة والابتسامات التي تتألق من خلال روح متوترة متوفزة، يحيط بها شجن الأحلام والمعاندة اليومية، في الانقلاب الدموي لمسارات الحياة، وفي الروح القدرية التي تختلط بالمطلب السياسي لترفعه بشطحة إلى نوع من الفلسفة، وإلى بحث مضن عن النجاة، وكأننا لسنا أمام شخوص صقلتها حياة المدينة، أو شكّلها اغترابها داخل أسئلة العقلنة بعد أن غدت المدينة تمثيلا حقيقيا أو مضادا لمدينة الله،  بل في مواجهة  غرباء، يبحثون عن انتمائهم على حوافها، ملثمين متوترين، يكشفون فجأة عن وجوه قطاع طرق أو أنصاف أنبياء ، يخرجون من أعطاف الليل، مثقلين بجرم غامض وآمال مشوشة عن العدالة والله.

على الجانب الشرقي

لسبب ما لم يكن محفوظ كاتبا قاهريا فحسب أو "كاتب القاهرة"، لكنه إمعانا في التخصص ظل طويلا كاتب الجانب الشرقي منها فمعظم أعمال محفوظ الروائية والقصصية تدور في هذا الركن بالذات من العاصمة المحتشد بالتاريخ والملوث بطعم الرمال.
قد يلجأ  إلى حدود المقطم أو يهبط إلى حلوان أو يصعد باتجاه الدراسة أويشرّق باتجاه صحراء العباسية، لكن تبقى حدود الحدث الروائي غالبا، قديمه وحديثه بين أحياء هذا الضلع المكتنز.
هنا تقع أحداث رواياته الواقعية المختومة بالثلاثية باستثناء القاهرة الجديدة، وهنا أيضا تدور حكايات "الحرافيش" و"اللص والكلاب" و"الطريق" و"حضرة المحترم" و"أفراح القبة" و"عصر الحب" و"قشتمر" و"الباقي من الزمن ساعة" وغيرها.
قد يعبر الحدث إلى الضفة المقابلة متتبعا إما نوعا من البرجوازية الناشئة عن استغلال النفوذ والفساد (القاهرة الجديدة مثلا)، أوتلك الخارجة عن نسيج الروح العامة للمكان (الوطن باعتقاد محفوظ) أو مسايرا التطور العمراني الذي تشهده المدينة بالفعل، حين تلجئه المحاكاة الواقعية إلى مرافقة الطبقات الجديدة في هجرة بعضها إلى الضفة الغربية للنهر، بما في ذلك منزله نفسه المطل على كورنيش العجوزة. وحتى على هذا الجانب الغربي تظل الحدود المرجعية هي صحراء الهرم .
فمحفوظ  الحريص على أن يبدو سرده محاكاة لحركة الواقع ولو ظاهريا ( بل ظاهريا بالذات) والمشغول بالسؤال السياسي دوما لتطور الدولة كان يتحرك مع مؤشر حداثتها الذي يميل غربا على شكل مروحة كما يصفه جمال حمدان. فإذا كانت حداثة السؤال الوطني مرهونة بجيل جامعي فإن المؤشر يبدأ من جهة الغرب في (القاهرة الجديدة)، أما تأريخ البدايات والتحولات المأساوية فينطلق من خان الخليلي وزقاق المدق وبداية ونهاية لائذا بالحارات والأزقة على الجهة الشرقية المقابلة متحركا تدريجيا مع تطور الحدث السياسي والاجتماعي.
أي صحراء ؟
في قصة قصيرة من أعمال محفوظ المتأخرة نسبيا (مجموعة: الشيطان يعظ) تحمل عنوان "الظلام القديم" يتوه ثلاثة من المراهقين في صحراء العباسية، حينما تحدق بهم الظلمة، ويبدون عاجزين عن تلمس طريق العودة. يمكن بالطبع إسناد القصة إلى السياق الرمزي ـ وهي مسألة تستحق إعادة النظر في معنى الرمزية المشار إليها غالباـ حيث تتابع العبارات الشاعرية الكابوسية "غرقوا في ظلمة عميقة وشاملة لم يجربوها من قبل، ظلمة أصيلة نقية مسيطرة طمست على الحواس ونفذت في أعماق الوعي ..  ولكن أين طريق المدينة .. شعروا باختناق رغم جريان الهواء ورطوبته، شعروا باختناق وشعور آخر طوقهم هو أنهم مكبلون في زنزانة".
 لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يقرن فيها محفوظ بين خلاء الصحراء والسجن، فكلمة "السجن" ذاتها جاءت في موقف مشابه على لسان أنيس في رواية "ثرثرة فوق النيل"، وهو يصف شعوره أمام امتداد الصحراء في الرحلة الوحيدة التي تقوم بها شلة العوامة، رغم ما يتضمنه الوصف من تناقض واضح بين الشعور بالحبس والاختناق و بين شساعة الصحراء وتراميها.  
          الحقيقة أنه منذ رواياته الواقعية الأولى تظهر الصحراء عند نجيب محفوظ كمفارقة حضارية وظل مقابل للمدينة محمل بالدلالات، لا كمكان جغرافي"طبيعي"، أو امتداد متدرج ومغاير لمجتمع العاصمة، أو كمعبر لاتصال بمحيط جيوسياسي آخر، بل كقطع مفاجئ في الخريطة، ونطاق يضع حدا دراميا  يؤطر المدينة بروح معاكسة ونوع من الشؤم.
ينطلق رشدي عاكف (خان الخليلي) في رحلته اليومية مع جارته التلميذة متوغلا في الخلاء، حيث تمتد الصحراء عن يمينهما، والقبور في الجهة المقابلة. يقول رشدي مشيرا "مقبرتنا" فتجيب نوال "فلنقرأ إذن الفاتحة". إن الإشارة إلى الموت المرتبطة بالمسار اليومي الاضطراري للعاشقين، واقتران القبور بالصحراء سيتكرر كثيرا في روايات محفوظ التالية، ولكنه يجعل الصحراء على الأقل في هذه الرواية  شبحا معلقا، ومجازا للموت المحقق.
إلى هذا الخلاء الذي تنبسط عنده إحدى جبانات المدينة كان يتسلل الزيطة صانع العاهات في (زقاق المدق)، وهناك أيضا يفتضح أمره وهو يحاول سرقة طاقم أسنان ذهبية من إحدى المقابر.
يمثل الزيطة نمطا إنسانيا شديد التفرد أولع به نجيب محفوظ تمثيلا  للغرائزية التي تدافع عن وجودها بأحط الوسائل ـ دون أن يكون لهذا التعبير أي بعد أخلاقي ـ وأكثرها عنفا، وبموازاة نوع من النبذ والسقوط الاجتماعي ولكنه بالأساس لا يشير إلى طبقة، بل إلى طور إنساني،  وهما وضعيتان تتوفران بنسب متراوحة في كثير من شخصيات الرواية نفسها ومنهم "حميدة"، إلا إن الزيطة يمثل النموذج الأشد تطرفا.
تعود الصحراء بصورة قوية مع سعيد مهران في (اللص والكلاب)، كحركة انقضاض عكسي على المدينة، وهي حركة مشبعة بروح الانتقام والثأر من الخيانة، فإلى سفوح المقطم سيلجأ  مهران، ومن هناك يحصل على السلاح الذي يشعل به كوابيس المدينة مطاردا كلابها :نبوية، عليش، رءوف علوان. وعلى حدود مقابرها سيكون فراره واختباؤه  بمنزل "نور" العاهرة التي يمثل اسمها مفارقة لاذعة مع المكان المطل عليه مسكنها، وتكون نهايته أيضا بين شواهد هذه القبور.
وعلى الجانب المعاكس يتناهى الخلاء الصامت إلى تكية الشيخ الجندي، ذلك  الملاذ التاريخي الذي يلجأ إليه سعيد مهران، ليعثر على محاكمة عادلة  لقضيته، بيد أنه لا يكاد يفهم رموز الشيخ التي تعود إلى زمن إيماني كان يمتاز بالانسجام والتصالح مع الذات، ولا يجد مهران مفرا من ابتكار ضمير ومسئولية خاصة و إن كانت محاصرة وعاجزة .
رحلة مضادة يقطعها عمر الحمزاوي في ( الشحاذ ) فرارا من شعور عدمي طاغ، ففي إطار مغامراته الليلة بحثا عن الشفاء من العلل الروحية التي تتسلل إليه في واقع سياسي رتيب، ينطلق الحمزاوي بسيارته إلى مشارف الهرم، ليقتنص اللذة من العاهرات على مرأى من الفضاء الموحش الجليل، ويستقبل في لسعة الليل والخلاء اللحظة الإلهية المرتقبة، لكن اللحظة  سرعان ما تنقشع مخلفة يأسا مجنونا وعدما مطبقا. يتوسل حمزاوي إلى الصمت حتى ينطق بالسر الجاثم على صحراء الهرم ، كما توسل سعيد مهران بصفاء التكية الروحي، و كلاهما يفشل في العثور على إجابة مريحة يعود بها إلى مدنية لا تؤمّن وسيلة ناجعة لاحتواء الانتقام أو التناقض، أو الشعور المبهم بالسئولية .
ولابد هنا من الإشارة إلى أن محفوظ يتعامل مع مفردتي "الصحراء" و"الخلاء" وكأنما للإشارة إلى الشيء ذاته في السياق الروائي، ولهذا دلالته بالتأكيد، حيث يؤكد المعنى السلبي الشامل ولكن المحايث دائما للمكان الروائي الخارج عن حدود المدينة. لكنه في الآن نفسه ـ وهذه هي المفارقةـ يمثل مرجعية بديلة، وموضعا لبدء مزعوم، أوصل.
 من اللافت أن أهم عملين ارتكزا على الصحراء/الخلاء في قائمة روايات محفوظ هما بالمناسبة عملين مركزيين فيها، ألا وهما (أولاد حارتنا) و(الحرافيش).
في (أولاد حارتنا) تشكل  الصحراء أرض البدايات التي يعتصم بها "البيت الكبير" والأصل الذي توالى  منه نسل الحارة: "كان مكان حارتنا خلاء، فهو امتداد لصحراء المقطم الذي يربض في الأفق، ولم يكن بالخلاء من بيت قائم إلا البيت الكبير الذي شيده الجبلاوي، كأنما ليتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطريق".
وطوال الرواية  تمثل الصحراء مكانا للهجرة لكل من ضاقت عليه سبل المدينة، أو تمثل رحلة لاستعادة المرجعية والشرعية، حين تفقد حياة المدينة وقانونها شرعيتهما. إن أهل الحارات وفتواتها يتبادلون الصراع على خلفية الخلاء المحدق و كأنه العماء الأول الذي انبثقت منه نطفة الوجود والحقيقة أيضا، وفي لحظة تنفجر المعارك وتتعالى الصرخات وتنتصب النبابيت، ويهجم الغبار كلعنة تمحق الأرض تمهيدا لاستعادة الزمان الأول.
الشيء نفسه يتكرر في (الحرافيش) حيث تعتصم التكية ويأوي الحرافيش إلى أضلاع الخلاء،  وإن كان الخلاء هذه المرة سيمثل الهامش للمسحوقين سياسيا واجتماعيا  كما يمثل استعادة براءة الجماعة الأولى أحيانا أخرى، وهو أيضا مكان النفي للمنبوذين،  وموطن البحث عن عدالة نقية: "هاجر عاشور في الفجر، وتحركت به الكارو نحو القبو كما تفعل في مواسم القرافة (..) واخترق الممر الطويل، ثم شق سبيله بين القبور (..) وراحت الكارو تتقدم والظلام يخف، تذوب الظلمة في ماء وردي شفاف فتتكشف عوالم في السماوات والأرض (..) و تراءى الجبل شاهقا رزينا صامدا لا مباليا. هتف عاشور: الله أكبر".
حين نستكمل رحلة تاريخ (المدينة) المحفوظية ـ إن كان ما يقدمه محفوظ هو التاريخ حقا ـ نجد أنفسنا مندهشين أمام الصورة النهائية لها مقارنة بما يشاع عنها من أنها تمثل تاريخا واقعيا اجتماعيا وسياسيا للمجتمع المصري، أو على أفضل تقدير القاهري. فأي مدينة معاصرة  تلك التي تنشق حواريها عن أساطير، وتستعمر ليلها الأشباح والضمائر المثخنة، وعيون أجهدها الحشيش والتبتل والغرام المتهالك؟ و أي جغرافيا غرائبية  تلك التي أحاطتها بعواصف من غبار الأسئلة، وصحراء العدم الشاسع؟
فالصحراء في أعمال محفوظ  تتحول إلى قرين، محتفظة ـ بخبث روائي ـ بكل إرثها الواقعي التاريخي، أو بمعنى أدق، موهمة بوجودها الفيزيقي كإشارة إلى مكان حقيقي، وهي تظل كذلك بالطبع، ليس هذا فحسب، بل إن محفوظ يستثمر كل الكنايات التاريخية والميتافيزيقية المرتبطة بها، ولكن دائما في حدود دورها الروائي كظل وقرين يمكن فجأة أن يتحول إلى أصل. واستخدام تعبير "الجبلاوي" في رواية أولاد حارتنا لا يخلو من ظلال المكان الفيزيقي  لهضبة تشرف على المدينة بكل ظلال السلطة، والقهر المادي للمكان، وبكل طبقاته الروحية أيضا.
قبل الدخول إلى متحف أقنعة الصحراء في روايات محفوظ لابد من الإشارة إلى أن ما نحاول تأكيده ليس إثبات صفة المشروع الذهني في سرده الروائي، وهي صفة على أي حال أشار إليها كثيرون، والصفة ذاتها التي دفعت نقادا آخرين إلى تنسيب  أعماله فلسفيا، وهي مسألة لا تخلو من وجاهة ظاهرية. لكن تركيزنا الحقيقي يطال طبيعة الجغرافيا التي يخلقها هذا السرد ويمثل من خلالها حدود الفعل الروائي، وهي الحدود ذاتها التي تمثل تصور جانب كبير من  الانتلجانسيا المصرية عن تعريفها للمكان والوطن وحدود العلاقة الإنسانية بهما، ومن ثم حدود الحقيقة المنجزة داخل حيز ونطاق محددين. كما يستعرض عددا من المصادرات التي شكلت رأس المال الأدبي، الذي بمساعدته تحدد مجال الأدب منذ، بداية ما يسمى بـ"النهضة"، ونطاق خطابه.    
من الذائع أن نجيب محفوظ كان يتحرك في سرده على مستويات عدة، أحدها الواقعي الاجتماعي المباشر، حيث يستعرض نماذج التاجر والطالب الجامعي والموظف الصغير وصاحب المقهى، والعاهرة والفتوة والصحافي الفاسد والضابط المتقاعد والكاتب المسرحي والفران، وغيرها من النماذج الاجتماعية التي يغلب عليها الانتماء إلى الطبقة المتوسطة، لكن ما يميزها حقا أنها من أبناء المدن حتى وإن زحفت الرواية إلى التاريخ. وقد التفت باحث إلى أن بعض هذه النماذج وإن كانت ذات أصول ريفية مثل سرحان البحيري في "الميرامار" إلا إننا لا نراها إلا داخل سياقها المدني.
لكن في مستوى آخر تمثل النماذج الروائية التي يصنعها محفوظ  كنايات  لأفكار وحلول سياسية وطنية تتقنع بنوع من الرمز، أو تتحول إلى أمثولات، كما هو الحال في "الميرامار" و"ثرثرة فوق النيل" وغيرهما، هذا بالطبع يضاف إلى الحوار السياسي والإحالة المباشرة على الحدث الوطني في معظم أعمال محفوظ التي تجعل من المسرودة السياسية حكاية موازية لمصائر الشخصيات، يلقي كل منهما بظله على الآخر، وهو ما يمكن تتبعه بوضوح في الثلاثية كرواية للبطولة المفردة التى تقسم أزمتها منحلة إلى بطولات مجزأة من الأب إلى الأبناء والأحفاد، بموازاة مصير ثورة19 مجسدة في شخصية سعد زغلول، والأجيال التي تلته.
أما على المستوى الثالث فتمثل هذه النماذج مصير الكائن الفرد، حيث يتخذ السرد هيئة السؤال الفلسفي العام والمربك، الذي يحايث وجود الشخصيات ومن خلاله يعبر محفوظ عن آرائه الفكرية العامة وموقفه من قضايا الدين والعدالة والموت والحب والفن وغيرها. ولا تتواجد هذه المستويات بالتجاور كحالات تتتابع بشكل خطي على مسار حياة الشخصية الواحدة تلو الأخرى، بل إن العبارة الواحدة في حوار قد تحمل الأبعاد الثلاثة للكينونة المركبة كأنها طبقات، وهو ما يمنحها الصفة الاستعارية، حيث تصبح الشخصية مثقلة بالرموز، وتغيب حيوتها في تصوير مواقفها باعتبارها نتاج تفاعلي، فهي تبدو كما لو كانتقد ولدت محملة بهذه الصور والاستعارات واللغة الكثيفة.
في رواية الشحاذ مثلا يلجأ عمر الحمزاوي إلى الطبيب قبل أن تستفحل معانته الغامضة وتتفاقم مقامرته الوجودية، ويدور حوار  كثيف من هذا النوع :
"الطبيب ـ لا شيء بك .. لكن العدو رابض على الحدود
الحمزاوي ـ كإسرائيل؟
الطبيب ـ وعند الاهمال سيدهمنا الخطر الحقيقي ... المهم أن نفهم حياتنا
الحمزاوي ـ أن نفهم حياتنا!
الطبيب ـ أنا لا أتفلسف طبعا
الحمزاوي ـ لكنك تداويني بنوع من الفلسفة "
وبغض النظر عن الارتباك الذي يمكن أن يسببه هذا الاحتشاد ـ وهو ما سنعود له لاحقا ـ  فإنه جعل اختيار المكان الروائي يمر بالمأزق نفسه، مأزق الدلالة المتجاوزة أحيانا للسياق الواقعي، وبالمثل مأزق التعامل مع المكان كاستعارة  وقناع.
على المستوى الواقعي المباشر اختار محفوظ كما قلنا بيئته من الجهة الشرقية للقاهرة منها من الحسين وابن طولون إلى السكاكيني، ومن المقطم إلى الحسينية والجمالية، ومن باب الشعرية والوايلي إلى حلوان والعباسية، كما اختار أزمنة كانت ماتزال هذه الأحياء أثناءها تشبه عوالم  مغلقة سادرة في ملكوت خاص، تفصل بينها وبين الأحياء الأخرى مناطق من الخلاء، أوتشرف على خرابات ومقابر، أوتفضي إلى الصحراء الشاسعة، وذلك تبعا لعمران لم يمتد تاريخا وفق خطة منتظمة. هذا لم يمنع انتقال بيئة السرد كما أسلفنا إلى الضفة المقابلة من النهر، حيث تكون الأحياء الجديدة مكانا للطبقات الخارجة عن السياق الاجتماعي الأصلي، إنها غالبا تمثل مكانا هجينا لعلاقات غير شرعية، كما هو حال الشقة التي يستأجرها البك عشيق إحسان شحاتة في "القاهرة الجديدة". لكن حتى هذه المنطقة ستكون حدودها صحراء الهرم. 
ولأن الروايات الأولى ـ باستثناء التاريخية ـ كانت الأقرب إلى الواقعية بما يعنيه ذلك من انشغال بالحاضر المديني وتفاصيل المجتمع الحضري، فإن الصحراء لا تطل إلا بشكل خاطف لكنه ملح ومتواتر، وبما يشير إلى عالم الساقطين من حساب تطورات المدينة غير المتوازنة أو  العادلة.
يدمر الخلاء، المرادف للموت، الطموح الوحيد خارج حدود الحارة في رواية (خان الخليلي) ممثلا في رشدي عاكف ونوال. يبدو رشدي عاكف بصورة رومانتيكية نموذجا لحلم مجهض بقدر ما هو قاصر عن إدراك المحيط الاجتماعي والسياسي حيث يكون مرضه المميت نتيجة مباشرة للخروج رغم التحذيرات المتتالية.
 الحب والقمار هما نزوتا رشدي عاكف، ما يعني من البداية روح المخاطرة المرهونة بالخسارة. عفويته المؤذية، وقوعه غير القصدي على حلم أخيه وفرصته الأخيرة الممثلة بنوال ضاربا بمناخ الغارات وصفاراته ـ حيث تدور أحداث الرواية أثناء الحرب العالمية الثانيةـ عرض الحائط، مرتبطا بتجاهله لأزمة أسرته. وهو تجاهل لاحيلة له فيه تفرضه طبيعة وعيه الحبيس المنتمي للأسرة ذاتها، التي توقف طموحها الطبقى وتعرضت لنوع من الانحدار وانكفاء الوعي.  
أما في (القاهرة الجديدة)، الرواية الواقعية الأولى بحسب الصدور (1945)، وهي رواية نادرة في إبرازها لسقوط اجتماعي يكاد يتحول إلى فجيعة تاريخية في عهد وزارة صدقي، فقد برزت الصحراء كمكان للاعتداء والركوب اليائس على طبقة أعلى والإشباع المحبط معا. يقوم محجوب عبدالدايم ـ وهو نموذج اجتماعي  يجهد في إقناع نفسه بمعادلة السقوط في مجتمع ساقط ـ بمرافقة تحية ابنة حمديس بك الذي يمثل فرعا موسرا من عائلته الريفية الفقيرة إلى موقع لمقابر وحفريات فرعونية  بمنطقة الهرم حيث يحاول الاعتداء عليها. يفشل محجوب ، وعلى مشارف الجلال التاريخي تغادره الفتاة مغروسا في شعور الصدمة والحقد واللامبالاة: "وأخذت روح الاستهانة تعاوده حتى أوشك أن يضحك من نفسه ونظر إلى الهرم طويلا ثم غمغم ساخرا: إن أربعين قرنا تنظر إلى مأساتي من فوق هذا الهرم".
  إن هذا المشهد الذي يقع خارج القاهرة في الرواية يحوي عددا من العناصر المركبة، مع ملاحظة أن جميع الخروقات الاجتماعية عند محفوظ  تحدث خارج جسم المدينة و لكن مع استثمار نقيض تاريخي (الهرم) و نذير روحي (المقبرة) يقف محجوب عبدالدايم  في مكان معبأ بفشل يتجاوز حدوده " فود لو يستطيع أن يقذف القاهرة بأحجار الهرم الهائلة ".
أما صحراء ألماظة فتشهد سقوط نفيسة في (بداية و نهاية) حيث تهوي دون أن تدري من طبقتها المستورة إلى مستوى المومسات . وتكون بذلك مؤشرا على سقوط طبقة كاملة.
لكن قصص محفوظ القصيرة والتي يمكن اعتبارها تلخيصا رمزيا مكثف لأفكاره أكثر منها فنا حقيقيا تكرر حضور الصحراء.
بدت الصحراء أحيانا حدا جيوسياسي يجسد المغامرة الفاشلة للحقبة الناصرية، وكأن فشلها هو عقاب على تجاوز "الحدود". فنجيب محفوظ المعارض للطموحات الناصرية بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول و للصراع العسكري الخارجي (بما في موقفه من اقضية إسرائيل) يصور في مجموعة "خمارة القط الأسود" الصادرة عقب هزيمة 1967 المعلم حندس الفتوة الذي يطارده كابوس الموت على يد ابن أحد ضحاياه، يصطحب الفتوة (القائد) جماعته وبطانته في بحث محموم عن الفتى/الكابوس، يقودهم جميعا شيخ أعمى.
لكن على مشارف الخلاء وفي عتمته الحالكة يتلقى المعلم حندس ( والمفردة تعني الظلام الحالك) طعنة قاتلة بين أعوانه وسط ذهولهم، ودون أن يرتفع نبوت واحد، تماما كما وقعت الهزيمة بلا مقاومة. إن الصدفة جعلت حدود مصر المهددة غالبا هي تلك المساحات الصحراوية خاصة التي تترامى جهة شمالها الشرقي، لكنها تبرز هنا في إهاب أيديولوجي ليس  كحد  طبيعي يمكن أن يسهم في تشكيل الموقع السياسي لوطن وفق معايير تحددها العلاقات السياسية الدولية أو طبيعة المصالح الاقتصادية نفسها، ولكنها تفرض عليه نوعا من الاستقلالية المضاعفة في المشروع والطموح، الاستقلالية "الوجودية" إذا صح التعبير فكأن حدوده السياسية هي هبة الطبيعة التي لا ترد، والتي يعنى تجاوزها استحقاق اللعنة المؤكدة.
لا يعني هذا أن الصحراء اتخذت دلالة ثابتة، فالأحرى أن الثابت كان القيمة التي تمثلها هذه الدلالة وهي دائما سالبة، ومن ثم، وكروائي قبل كل شيء سمح محفوظ للصحراء أن تلعب أدوارا تبدو متناقضة على مستوى الدلالة وثابتة على مستوى المحصلة النهائية  والذروة التي يفضي إليها التصعيد الروائي.
كانت الصحراء ملجأ للمهمشين والخارجين عن النسيج الاجتماعي المدني، ومن هؤلاء عشائر الغجر الذين عملوا كلصوص ونشالين وحواة وملاعبي قرود. ولكن محفوظ في"قلب الليل" يصور من خلالهم نموذجا لأنثروبولوجيا فلسفية في رواية تكاد تجسد قانون المراحل الثلاث الشهير عند أوجست كنت وهي المرحلة اللاهوتية الدينية والمرحلة الميتافيزيقية والمرحلة الوضعية. إذ تسرد الرواية نوعا من الرحلة الإنسانية/الحضارية توازي ما فعله محفوظ في أولاد حارتنا، لكن في "قلب الليل" تتجسد الرحلة من خلال تطور شخصية تروي سيرتها على مدار ليلة واحدة هي شخصية جعفر الراوي. إن كلمة "الراوي" نفسها تختصر تعريف الإنسان من حيث هو صانع للحكايات كأعلى مرحلة للثقافة. وهي شخصية توازي من جهة أخرى  الكاتب المجهول راوي  حكايات "أولاد حارتنا".

 يتمرد "الراوي" الذي يتربي في بيت الجد، على أصول حياة روحية أبوية ملؤها التناغم بعد لقائه بـ"مروانة" ابنة عالم الغجر، إنها مرحلة الغريزة والتعيش من القوة ويقابلها دينيا شقاء الخروج من الجنة، يفتتن الراوي بمروانة الراعية ويقتفيها إلى حدود الصحراء حيث يعيش قومها. ولكن ما تلبث مروانة أن تفجر جانبها الغجري غير المتحضر، ويسقط الراوي بعد الفراغ من النشوة في قاع الانحطاط الإنساني. قبل أن تنتشله هدى الأريستوقراطية لتحيي فيه الشكل المعاصر والعلمي للتحضر.
وإذا كان عالم الصحراء يحمل الكثير من الإشارات الصوفية في الحرافيش، وثيمات دينية كثيمة "الهجرة" في أولاد حارتنا، فكلاهما يشكك بطريقة خفية في هذا المحيط المترامي من الرمال، إنه قد يكون نوعا الكرامة البدائية، من الإلهام، لكنه دائما الوجه الذي لابد من انتزاعه لمواجهة واقع المدينة، إنه مرآة تجريدية لأخلاق مدينة متأرجحة ومهددة، وقرين لأرق أسئلتها التي تثور فجأة كعواصف الغبار.
الخروج من العاصمة
" القاهرة الحديثة تقع بين قوسين معلقين من التاريخ القديم الفرعوني غربا والإسلامي شرقا. فعلى هضبة الأهرام والجيزة بقايا العصر الفرعوني وإن كانت معلقة كالحفريات، بينما على سفوح المقطم وعند أقدامه ترقد المدينة الحديثة في القاع المنخفض بين القوسين التاريخيين المرتفعين.. وهي بهذا كله خير نقطة في مصر تختزل تاريخ مصر جميعا .. بل ونضيف وجغرافية مصر وسكانها أيضا  "تكشف هذه العبارة لجمال حمدان طرفا من وعي عام فرض نفسه على الانتلجانسيا المصرية، وهوم محاولة تثبيت أصل وطني موحد، يضع حمدان رؤيته الجغرافية و يحولها إلى معتقد أخلاقي وسياسي بل جمالي أيضا، محولا بحثه العلمي إلى منظومة أيديولوجية ، فضرورة المركزية كانت في خلفية وعي حمدان وهو  يضاهي بين موقع القاهرة في محيط صحراوي وموقع مصر ذاتها فكأنها تلخيص مكاني وبشري، يؤكد على عاصمة سياسية تختزل وطنا وشعبا بأسره.
والحقيقة أن هذا الوعي تجسد حقيقة على مستوى الواقع الذي نعيش أزمته إلى الآن. ولقد كان هذا الوعي مركزيا في جيل محفوظ  ابن مرحلة "مصر للمصريين" والذي رأى الاستقلال مرهونا بولاء وطني يرتفع إلى مستوى المبدأ الجامع، الذي يمكن تسميته بالهوية. لكن الفكرة لدى محفوظ ونظرا لطبيعة انشغاله الروائي تأخذ أبعادا أكثر تعقيدا. فهو يتحدث عن مجتمع، ولكنه مجتمع العاصمة التي تجسد في تماسكها أو انحلالها مشروع الدولة. من هنا برز دور العاصمة الجذري وموقعها المزدوج مرتهنا لغنى لاسابق له، لكنه غنى للرموز وليس للتأصيل الفعلي للمكان. يقول الباحث شريف يونس أن الانتلجانسيا المصرية "حملت بذرة السياسة باعتبارها المشكلة الرئيسية، ليس بوصفها قضية "العقل" كما قالت الانتلجانسيا الأوروبية". و بالطبع كان انعكاس ذلك على الرواية مرتبطا بإعداد فلسفة مجردة عن المكان ترفعه من مستوى الحضور الاجتماعي والسياسي لتجعله رمزا وجوديا.
هناك عدد من الروايات التي أنجزها محفوظ تخرج عن إطار العاصمة أشهرها "الميرامار" و"السمان والخريف" وقسما من رواية "الطريق" بخلاف عدد من القصص القصيرة.
كان الخروج عن العاصمة  من نصيب الاسكندرية، وهي المدينة التي كان يقضي بها محفوظ قسما من فصل الصيف، تماما كما كانت تفعل الوزارات المصرية قبل الثورة وبعدها بحضور أقل. ولكن أي" اسكندرية" تلك التي تمثل مسرحا للسرد المشدود إلى العاصمة؟ إنها مدينة الهامش، ظل لهوية ضائعة، ومشفى للخارجين من معترك السلطة، واستراحة مؤقتة أو دائمة للساقطين من مسرح السياسة. هكذا تبدو بقوة في روايتي "الميرامار" و"السمان والخريف". بكلمات مفعمة بالتوتر يصف محفوظ أجواء الاسكندرية العاصفة في الشتاء، مكان قلق و مضطرب كالغريزة، ومدينة تجتاح شوارعها الرياح الباردة لتقلب وجه الحياة الآمن:"صوري مخلوقين عارين تماما في سيارة،وآمنين رغم ذلك من أي تطفل، يتبادلان القبل على انفجارات الرعد وميض البرق وانهلال المطر؟ فقالت إنه محال. فقلت ألا تودين إخراج لسانك للدنيا وأنت في حماية هذه الغضبة الكونية؟".
إنها مدينة النزوات والحماقات والتمرد اليائس. هكذا تبدو مع حسني علام ـ آخر سلالة الأعيان المنقرضةـ الذي يقطع شوارع المدينة بحثا عن "صيدة" أو مشروع عنوانه"فركيكو لا تلمني". وعلى أرصفة المدينة تسقط جثة سرحان البحيري الموظف الانتهازي ذي الأصول الريفية وأحد المستفيدين بالعهد الجديد بعد قيام الثورة، وحتى صاحبة البانسيون مدام ماريانا "الخواجاية" اليونانية هي تمثيل للوجود الأجنبي القديم المستظل بالامتيازات الاستعمارية، وهي تكمل مشوارها في شيخوختها بالتشجيع على القوادة متعاونة مع بقايا إقطاعيي و سياسيي العهد السابق مثل طلبة مرزوق.
أما منصور باهي فهو حزبي يساري واش يؤرقه ضمير الخيانة، وقهر أخيه الضابط الكبير، وحتى عامر البحيري الصحفي الوفدي فقد بات في شيخوخته مجرد شاهد يعلق بالآيات القرآنية التغيرات السياسية الحادة. إنها ليست مدينة، بل منفى، حجرة تغيير ملابس للكومبارس التاريخي الذي انتهى دوره. وبالطبع فإن زهرة الفتاة الريفية الهاربة إلى الإسكندرية والتي تمثل الكتلة الحضارية المهيضة والصامتة الممثلة في الريف وقد ارتفعت لمستوى الرمز، تجد نفسها وسط عالم من الخيانة والسقوط. يشعر الأبطال بالموت الزاحف ويستخدم محفوظ مجازات الطقس العاصف للدلالة على حالة من الترقب "ورغم أن السماء تتلون كل يوم برداء، و الطقس كالبهلوان لايمكن التبؤ بحركته التالية ..فلا شيء يحدث على الاطلاق، الكون في الحقيقة قد مات، و ما هذه الحركات إلا الانتفاضات الأخيرة التي تند عن الجثة قبل السكون الأبدي".
لمنصور باهي عبارة دالة في ثنايا مونلوجه الطويل "قضي علي بالسجن في الإسكندرية، وبأن أقضي العمر في انتحال الأعذار". فالسجن تحديدا هي الكلمة التي صادفناها من قبل في وصف الصحراء. خارج العاصمة لا يوجد فعل، ولا أمل في نجاة، والحياة مجمدة، حبيسة الاجترار والندم.
ولايختلف الأمر في رواية "السمان والخريف"، فالبطل عيسى الدباغ هو موظف كبير ارتفع نجمه سريعا، ثم انحدر من تاريخ نضالي إلى التربح والفساد في ظل حكومة وفدية، يخرج الدباغ  فيما يسمى بحركة"التطهير" عقب قيام الثورة التي طالت أحزابا ومؤسسات، ولا يجد إلا الاسكندرية ملجأ لخريف عمره السياسي. وهناك لا يرى إلا مدينة للغرباء الذين يعكسون غربته بشكل مباشر من بقايا الجاليات الأجنبية، من شرفة مسكنه الجديد يتطلع إلى البحر " وقد سحره أكتوبر فأخلد إلى النوم، وترى أ؟يضا أسراب السمان تتهاوى إلى مصير محتوم عقب رحلة شاقة مليئة بالبطولة الخيالية. القاهرة الآن ذكرى مغلفة بالحزن" . العلاقة الوحيدة التي يقيمها الدباغ في الإسكندرية هي علاقته بالعاهرة "ريري"، وخطوته تأخذه إما إلى مرقص أو إلى تمثال سعد زغلول الشهير في ميدان محطة الرمل.
في رواية "الطريق" يقرر صابر الرحيمي مغادرة الإسكندرية بأي ثمن في رحلة بحث عن"الأب"، وهي بالطبع رحلة إلى العاصمة، رحلة باتجاه المركز. تمثل الاسكندرية بالنسبة لصابر تاريخا من الدعارة والقوادة. بعد وفاة أمه التي كانت تدير شبكة للبغاء، وتبديد الثروة، تعترف الأم لصابر بأنها أخفت عنه طويلا أمر أبيه الذي لا حد لنفوذه وثرائه، و تطلب منه اللجوء إليه. و لجورج الطرابيشي في كتابه "الله في رحلة نجيب محفوظ" تأويل خاص للروايو ولمجمل الأعمال الأخرى ، حيث يجدها قصة للبحث عن إله عصري، ودين بشري يجسده العمل، والعلم، مقابل الدين بمعناه الميتافيزيقي، إنه الدين الوضعي بحسب إمانويل كنت الذي تخيله للبشرية صالحا كلها. يبحث صابر الرحيمي عن كرامة تقوده لموطن العون والمدد الوجودي فيترك الاسكندرية رافضا مصير أمه التي تموت بعد خروجها من السجن "مثلك لن يعز عليه المال.أجل فأذعن لنداء القوادة. ذلك ما يتمناه أعداؤه، ولكن دونه الموت. وتساءل ماذا بقي لي في الإسكندرية؟".
داخل مدينة محاصرة بهاجسها السياسي كرمز يفوق حجمه الواقع، تصبح الحياة عرضة للتشنجات الغامضة والأشواق المستحيلة. وهذا ما تقدمه قصة قصيرة في مجموعة "دنيا الله". يغادر عم إبراهيم الساعي القاهرة باتجاه الاسكندرية هذه المرة، بعد أن سرق لأول مرة في حياته عهدته من رواتب الموظفين، تنتاب عم إبراهيم مشاعر خارج السيطرة تجاه بائعة يانصيب شابة مغوية، فيقرر الهرب معها بأي ثمن في رحلة عشق أقرب إلى التصوف. يختار عم إبراهيم لحظة تشبه من بعض الوجوه أزمة عمر الحمزاوي في "الشحاذ" مع فارق أن الأول يقبل بالمخاطرة والرهان دون شعور مأساوي أو ندم رغم تنمر الفتاة وجشعها "أراد لها أن تسعد كما يسعد، وكان من قبل يسير مطرق الرأس لا يرى من الدنيا إلا الطين والتراب". إن الشغف المفاجئ الذي يداهم أبطال محفوظ  فينجرفون إليه دون مقاومة هو موضوع سنعود إليه تفصيلا، لكنه هنا على الأقل يكشف حدود المغامرة خارج العاصمة، فهي مقامرة روح في المطلق، وليست عشقا من لحم ودم، إنها فرصة أخيرة لمثالية تفرض نفسها كوجه آخر لواقع فقير، ولأنها كذلك تتضمن دائما هشاشتها وانحلالها، ومن ثم تنتهي كما انتهى عم إبراهيم في قبضة السلطة الاجتماعية. الجمال والتصوف وحتى "الله" هي حواف مدينة أعجز ما تكون عن التطابق مع ذاتها، لكن هل مشرع التطابق أصلا هو مشروع مدني حقيقي، أم أنه ينتمي أكثر إلى إشكالات الهاجس المدني المختزل في "الهوية"؟ أعني حين يرتبط المشروع المديني بمشروع هوية سياسي في حقيقته، حينما تتحول السياسة الوطنية إلى أفق للوجود. لذلك لاتكون المدينة مدينة حقا إلا إذا كانت عاصمة.
تحتوي مجموعة "الشيطان يعظ". على قصة أخرى بعنوان" أمشير" تقترب بعض خطوطها من "الطريق". إنها رحلة انكشاف تاريخ أسرة عن فضائح سرقة وخيانة وهروب. تسكن الأسرة فيللا هادئة في الاسكندرية، لكن مع افتضاح المستور، ترتد الفروع إلى أصولها القاهرية فهناك يتم استرجاع مصدر الحكاية "عرف أبي أن أباك سرق امرأة تدعى دليلة الفقي، جعلت من مسكنها بنك رهونات. سرق الذهب كله وادعى في التحقيق أنه فقده ولم توفق الشرطة في العثور عليه.. ولما غادر جندي الأعور السجن رجع إلى حارة التكية، وهي أصلنا جميعا". القصة هي تصفية حساب بأثر رجعي يقوم بها جيل جديد، محاولا تخطي مأزق الجريمة. إنها بيان حضاري: تعالوا نتناس تاريخا حافلا بالشبهات واللصوصية والخيانات، تعالوا لنصفي تركة البؤس السياسي، فهي على أي حال تركة مرحلة ضرورية من تاريخ جمع وتداول الثروات الوطنية بالقوة والبلطجة.
يأتي الأبطال من القاهرة إلى الاسكندرية في رحلة الاستجمام الحضاري تلك ليسكنوا مدينة خالية، مدينة تراتنزيت للشقق المفروشة والبانسيونات وأوكار العاهرات. وخلاء المدينةـ ان صح التعبير ـ يسمح للإبطال باستعادة أدوارهم على المسرح بعد مراجعات شبه فلسفية. إنها مجرد مكان رمزي وتأهيلي يؤكد الأصل والمركز.
الواقعية المحلية
يتساءل القارئ لأعمال محفوظ خاصة حين يتناولها كمشروع متصل هل كان محفوظ كاتبا واقعيا؟ بالطبع قد لا تكون للسؤال أهمية إلا بقدر ما يكشف عن التباس ترك بصمته على مأزق العمل الروائي نفسه. كانت المدرسة الواقعية معنية إلى حد كبير بتسجيل الأماكن بأسمائها إضافة إلى محتوياتها وأثاثها ومقتنيات أصحابها، وهو ما يثير أحيانا ضجر قراء معاصرين من رواية تعود للقرن التاسع عشر. إن الإشاعة القائلة بتسجيل محفوظ للقاهرة التاريخية بتفصيل حاراتها وأزقتها وعادات أهلها يحتاج إلى إعادة نظر. إذ يبدو مخالفا لواقع الحال، وهو أن سرد محفوظ  ـ حتى ما ينسب منه مباشرة إلى الواقعيةـ فقير في تفاصيله. لقد استعرضت سيزا قاسم في دراسة مقارنة مشكلة المكان والتفاصيل في روايات محفوظ الواقعية مقارنة بأعمال الواقعيين الأوربيين، وفي هذا الإطار أشارت إلى أهمية التركيز على الأشياء باعتبارها مجازا مرسلا يعكس بدوره هوية الأشخاص وخصوصياتهم داخل طبقتهم الاجتماعية. وتقوم سيزا قاسم بإحصاء مقارن يبرز فقر المعجم الوصفي لدى محفوظ "بالإضافة إلى أن العناصر التي يختارها محفوظ لوصف المكان ليست معبرة، فإلى جانب المقاطع الوصفية نجد ظاهرة أخرى تجعل منها مقاطع سلبية وهي تكرار نفس العناصر" فالبيوت والحجرات تظهر في نفس الشكل وعلى نفس الطراز، والسمات التي تذكرها هي السمات المشتركة بين الأماكن المختلفة وليست السمات المميزة. وتستقصي سيزا قاسم المفردات المتعلقة بالأشياء والألوان والخصائص  ليظهر أمامنا التعميم المفرط والمجرد. وبنظرة سريعة إلى استخدام الألوان على سبيل المثال يبرزالتعجل الذ يوحي بعرضية الموصوف. يكتب محفوظ في مقاطع مختلفة " سجاد صغير المقطع مختلف الألوان والنقوش ـ حصر ملونة ـ حصير متعدد الألوان ـ ورود صناعية مختلفة الألوان ـ حصر مزركشة ـ بساط متجانس الألوان ـ فيللا سمراء..". وتقدم سيزا قاسم أن احصاء لعدد الأسطر المتعلقة بالوصف وتستنتج منها أن التناقض بين عددا وبين طول النص الروائي. وإذا عدنا إلى مثال من المرحلة الواقعية أيضا في رواية "القاهرة الجديدة" سنجد أمثلة صارخة على  التعميم والتجريد الإنشائي في الوصف. في مشهد يفترض أن يكشف عن علاقة محجوب عبد الدايم وزجته بأبناء البرجوازية الكبيرة بعد صعوده الوظيفي يصف محفوظ إحدى الولائم المقامة على شرفهما " وارتفعت الأيدي بالكؤوس وهتفوا جميعا باسم مدير المكتب (محجوب) ثم أفرغوا كؤوسهم حتى الثمالة، وسرعان ما مزقت السكاكين اللحوم، ثم التقطتها الشوكات وسلمتها الأفواه النهمة، وتحول المقصف إلى معركة بالغة في عنفها، بالغة في لذتها وتعدد ضحاياها من الأطعمة والأشربة". إن التعميم والتغلب على الجهل بالتفاصيل عبر المجاز الساذج لا يعكس فقط الجهل بسمات الطبقة وعاداتها وأطعمتها، بل يعكس أيضا الرؤية الغامضة لمجتمع غير طبقي بالمعنى الحديث بل مجتمع ينقسم وفق التعبيرات القديمة إلى فقراء وأغنياء، مسحوقين وساحقين. ما يؤرق محفوظ التناقض في صيغته الأخلاقية لا الموضوعية. ومن ثم كان إبراز الشره والطريقة البدائية الكاريكاتورية في التهام الطعام.وما أن غادر محفوظ هذه المرحلة الواقعية حتى انفرد بتشكيل المكان كاستعارة مباشرة شديدة التقشف، بحيث لا يكاد ينبئ عن تاريخ، بل بيئة افتراضية ذات بعد رمزي، هكذا تتجرد أكثر فكرة البيت التي عرفناها في الثلاثية، لتظهر بصورة مثالية في بيت الجد في رواية "قلب الليل" أو" الباقي من الزمن ساعة" وبالطبع في البيت الأعلى ترميزا في رواية "أولاد حارتنا" بيت الجبلاوي. 
قد يبدو هذا صادما، ولكنه حقيقي بقدر ما تأكد عبر تطور السرد الروائي والقصصي لدى محفوظ باتجاه التجريد. فالمكان عند محفوظ ينحو باتجاه الاستعارة، ويكتفي من ثم بقشرة من إيحاءات الواقعية.
وإذا كانت الواقعية الأوروبية معنية بالمكان المفتوح على أفق من التغيرات والتفاعلات المستمرة مع أفراد يعيدون تشكيل عالمهم الخاص داخل مجتمع يزدادون عنه اغترابا، فإن واقعية محفوظ ترصد المكان على هيئة فخ أو مصيدة. أما الخروج منه فهو الموت المحقق. إن السقوط هو حليف كل محاولة للإفلات من المكان. ولقد أشرنا من قبل إلى أن مجرد انتقال بيئة السرد إلى الجهة الغربية من النيل في أحياء الدقي أو الجيزة  وغيرهما كما يحدث مثلا في "السمان والخريف" قبل انتقال البطل إلى الاسكندرية، كان يعكس حياة الفئات الفاسدة، وحتى دلالته الطبقية مرهونة غالبا بهذا الفساد. ودهشة حميدة في زقاق المدق بالخروج إلى شارع سليمان كانت النذير الأول للتمرد الساقط. ولعل رواية "خان الخليلي" أن تعطينا رؤية أكثر عمقا نظرا لطبيعة العزلة المكانية المزدوجة التي تجسدها. تنتقل أسرة عاكف من حي السكاكيني بعد تعرضه للقصف أثناء الحرب العالمية الثانية إلى جوار الحسين في حي خان الخليلي. وكلمة "عاكف" تمثل بذاتها حالة الانكفاء على الذات التي تصورها شخصية الرواية الرئيسية أحمد عاكف البرجوازي الصغير. الغريب أن أجواء الحرب التي تفرض نفسها على حركة الشخصيات في الرواية الذين يجدون أنفسهم مدفوعين إلى تغيير إقامتهم ـ ومعها مصائرهم ـ أو الفرار إلى الملاجئ في الغارات، تمثل نوعا من الجغرافيا المفتوحة وإن كانت على هيئة جرح، بينما تنعكس على البيئة المصرية بصورة مناقضة مشكلة جغرافية مقلوبة، ومتجهة ناحية الداخل. وربما لم يكن اعتباطيا أن عددا من المشاهد الأساسة في الرواية تقع في الخنادق أثناء الغارات. إنها حدود الجغرافيا الوطنية، لا الواقعية. والأمر نفسه يتكرر في زقاق المدق التي لا يخلو مطلعها من دلالة كلية تمنحه بعدا تمثيليا لأصل غابر، ولمأزق حضارة تتعرض لتغيير جذري وهي خالية إلا من مؤهلات بدائية ساذجة تتمثل في أنماط الحياة والنشاط الاقتصادي داخل الزقاق. فهو زقاق " من تحف العهود الغابرة .. تألق يوما في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري.. أي قاهرة أعني؟ الفاطمية؟ المماليك؟ السلاطين؟ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار .. ولكنه على أية حال أثر، وأثر نفيس. كيف لا وطرقه المبلطة بصفائح الحجارة ينحدر مباشرة إلى الصنادقية، تلك العطفة التاريخية، وقهوته المعروفة بقهوة كرشة تزدان جدرانها بتهاويل الأرابيسك، هذا الذي قدم وباد، و تهدم و تخلخل، وروائح قوية من طب الزمان القديم الذي صار مع كرور الزمن عطارة اليوم والغد.. ورغم أن هذا الزقاق يكاد يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من مسارب الدنيا إلا إنه على رغم ذلك يضج بحياته الخاصة ". لكن هذه الحياة الخاصة التي تجمع الفران والتاجر التقليدي وبائع الحلوى والحلاق والدلالة وصاحب المقهى "المثلي" وحميدة الأقرب إلى كائن بدائي غير مروض يحتال على الحياة بالمكر، وتتناقض رغبته العارمة في الخروج من الزقاق مع الافتقار إلى أي موهبة إنسانية.. كل ذلك يتجه بمحتمع الزقاق إلى الهشاشة النموذجية، فلا يتمكن أحد من الإفلات إلا مقابل نوع من العهر، هذا ما تصبح عليه حميدة، أمام شباب الزقاق مثل عباس الحلو وحسين كرشة فيذهبان للعمل في معسكرات الانجليز دون أدن إحساس بالفارقة.
...........................

تعود فكرة الواقعية إلى طبيعة العقيدة الأدبية التي كانت في جانب أساسي منها ترجمة لأيديولوجيا التمصير، ومن ثم فما كان يعنيها هو قرار جماعي مسبق بإنجاز أدب مصري ذي مسحة محلية، بعد مرحلة من القص الرومانسي  المستند إلى المبالغة والغريب. في مجال السرد الروائي بدا الاهتمام بالتفاصيل الدالة على البيئة المصرية بداية من أسماء الشخوص إلى النماذج والقضايا الاجتماعية.
في تصديره لمجموعته القصصية "إحسان هانم" الصادرة عام 1921  يقدم عيسى عبيد تصوره للقصة الحديثة  بعد إهداء لافت لسعد زغلول بحسب ما أورده يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية" يكتب عيسى " هدية صغيرة يقدمها كاتب مبتدئ مجهول له آمال عظيمة بأن تستقل بلاده المصرية الاستقلال التام ويستقل معها الفن المصري". غير أن عبيد يعود في المقدمة لشرح أزمة النص القصصي "المصري" الجانح إلى الخيال وغير المتمرس بقراءة الشخصية والتحليل النفسي، كما يشير إلى إشكال اجتماعي يعرقل واقعية الحكي وهو الفصل بين الجنسين الذي يفقر أي تناول أدبي للعلاقات الاجتماعية. وبالجملة فما يقدمه عبيد يشبع بيانا للقص الواقعي لا يخلو من تفصيل موضوعي للآليات والأدوات، غير أن أفقه يظل داخل إطار الفكرة الوطنية في معناها السياسي: الدولة. وهذا ما يفسر أمرين: الأول هو الإهداء لزعيم سياسي، والثاني هو الحرص الذي تأكد من بعد بكل إشكالاته على كتابة النصوص بالعربية الفصحى مع اختيار ما يسمى بالغة الوسطى التي قد تحوي بعض المفردات العامية.
لقد كان ثمة حرص من جانب كبير من الإنتلجانسيا المتصل مشروعها الثقافي بالدولة على التأكيد على اعتماد اللغة العربية، ليس فقط حرصا على الأصل الثقافي، بل على وجود لغة منضبطة هي سليلة اللغة الرسمية وكتابها الحكوميين. وهو مضوع يحتاج إلى تفصيل ليس هذا مجاله. لكن اللافت أن شاعرا فصيحا مثل حافظ إبراهيم يشير إلي هذا الإشكال اللغوي الحضاري صراحة في مسرحيته ليالي سطيح"إن سر ارتقاء الأمم الغربية هو تضافر كتابها على بث روح التأثير في العامة بما يزخرفون لهم من أحاديث، وقد ساعدهم على هذا أن الناس هناك يتكلمون باللسان الذي يكتبون به... ويختلف الحال في مصر عن ذلك لأن للناس لسانين وقد تناكرا حتى اختصوا أولهما بالكلام، وجعلوا الثاني من نصيب الأقلام، فمنع اعوجاج هذا عن استقامة ذاك".
ربما لم يحقق روائي معادلة الكتابة كما طرحها يوسف عبيد مثل نجيب محفوظ. ولم يكن عبيد هو الوحيد الداعي إلى إيجاد رواية مصرية تضاهي الرواية الأوروبية. فكانت مجلة الفجر الجديد وكتابها إبراهيم المصري ومحمد طاهر لاشين وغيرهما قد سعت للفكرة نفسها. وكان محمد حسين هيكل صاحب رواية "زينب" قد قدم مجموعة من المقالات بعنوان"الأدب القومي". وربما كانت "زينب" تطبيقا عمليا للفكرة.
في تعليل لافت لظهور"القصة الاجتماعية" وهو التعبير الذي اختاره مؤلف كتاب ط"الصحافة والأدب في مصر" يكتب عبد اللطيف حمزة " ورابعة المقدمات التي أدت إلى ظهور القصة الاجتماعية هي التقارير التي صدرت عن الوكالة البريطانية، ونخص بالذكر منها تقارير اللورد كرومر.. وعلى الرغم مما اشتملت عليه هذه التقارير من التهم العيدة عن العدل والمنافية للحق..فإن هذه التقارير حركت همم المصريين وحفزتهم إلى العمل على دحض هذه التهم بطريق الكتب حينا كما يفعل الأدباء المؤلفون" وكما يتحدث يحيى حقي عن أدب الصور القلمية المرتبط بتجسيد السخصية يتحدث عبد اللطيف حمزة عن كتاب "حاضر المصريين وسر تأخرهم" الذي نشر عام 1902 لأديب مصري يدعى محمد عمر "صور فيه الكاتب وجوه الضعف الذي يشكو منه المجتمع المصري" وكان عمر قد عمد إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات ثلاث: الطبقة الغنية، والطبقة المتوسطة، والطبقة الفقيرة. وذهب إلى أن كل منها لها عيوبها، وجعل يذكر ما يراه علاجا لهذه العيوب.
كان ثمة طرف آخر يقود الفكر الروائي ويتصل أيضا بتصور الإنتلجانسيا المصرية عموما عن دورها وهو النزوع التعليمي والتربوي للحكي في إطار الإعداد لمشروع حداثة تقوده الدولة بالأساس والذي بدأ مع كتابات الطهطاوي مثل "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك"، ولذلك فهو لا يطال أبدا مشروعها ذاته وسط بيئته العالمية بل يعتبره حدا للتصور. ويشير فيصل دراج في دراسة ذات طابع متشائم إلى هذا الميل التعليمي الذي قاد إلى حلول مجردة لمجتمعات مفترضة، وهو ما فعله فرح أنطون في روايته " الدين والعلم والمال" أو "المدن الثلاث" و تتناول الرواية عوالم ثلاثة مثالية لمدن تتأسس إحداها على جشع المال والثانية على على العالماء المؤمنين بالعقل، والثالثة على مدينة رجال الدين. و من المدهش أن محفوظ أعاد في رواية يفصلها زمنيا عن رواية أنطون ما يقرب الأعوام الثمانين رواية "ابن فطومة" وهي رواية تستخدم تراث الرحلات السندبادية لتلقي النظر على عوالم مجردة تمثل هذه المرة الشرق والغرب، المجتمعات المؤسسة السلطة أوالعلم أو الحرية برمزية لا تخلو من الفجاجة. 
لقد كان التجريد الممثل في فكرة كلية عن مجتمع يعاد تأهيله هو دأب الكتاب، بدلا من امتلاك فكرة تفصيلية عن مجتمع يكون هو مصدر الأسئلة. بدا وكأن الكتاب يقدمون حلولا لمجتمع افتراضي تنوب الانتلجانسيا عن السياسيين في تفصيل جانبه الاجتماعي، مع الاحتفاظ لنفسها (أي الانتلجانسيا) بدور الريادة الفكرية فيه، وهو الدور الموروث عن الأفغاني ثم محمد عبده ولطفي السيد الذين شكلوا بدرجة كبيرة خلفية جيل محفوظ الفكرية.
الوطن كمسرح
يتحول المكان الروائي عند محفوظ إلى ما يشبه المشهد الثابت السكوني، بكل ما يحويه من ثقل تاريخي وعزلة، و هي عزلة ترتفع من مستوى الجغرافيا الطبيعية إلى القدر السياسي، ومن القدر السياسي إلى إشكال متضخم للهوية. يصبح الوطن شخصا اعتباريا يقف على خشبة مسرح، أو هو خشبة المسرح ذاتها التي يتناوب عليها الأبطال التراجيديون، منسحبين عند انتهاء أدوارهم إلى الظلال والمقاعد الصامتة.
إن كثيرا من أعمال محفوظ  تختار أماكن محاصرة ومتأرجحة في عزلتها المؤقتة والمهددة دائما : شقق مفروشة ( القاهرة الجديدة ـ الشحاذ)، عوامات ( الثلاثية ـ ثرثرة فوق النيل)، بانسيونات أو فنادق فقيرة( الطريق ـ الميرامار). وهي لا تمثل مجرد ديكور اجتماعي، كما لا تمثل مجازا عن واقع اجتماعي أو طبقة بقدر ما هي استعارة (حيث الأبطال هم أيضا مجرد استعارات) لا يمكن تجاوزها، لأنها تشبه سجنا غير مرئي، مسرحا حقيقيا، وآخرُ من يعرف ذلك هم ممثلوه.
يتقدم المسرح صراحة في روايتين لمحفوظ الأولى هي "ثرثرة فوق النيل". يعيش رواد العومة الذين لا يمثلون طبقات اجتماعية ( فجميعهم من الطبقة المتوسطة) بل نماذج وطنية و شرائح مهنية في حال من الغيبوبة الإرادية. وتبدأ فصول الرواية غالبا بالمشهد ذاته للعوامة من الداخل ثم تتابع الأحداث. هذا المشهد المسرحي لم يكن من الممكن تحريكه إلا حين  يكشف  "أنيس"       ـ صاحب المونولوج الرئيسي في الروايةـ  لرواد العوامة عن مفكرة سقطت من "سمراء" الشابة صحفية التي كانت تتردد عليهم بدافع من الفضول، ثم صارت موضوع منافسة غرامية. كانت المفكرة تتضمن تخطيطا أوليا لمسرحية أبطالها رواد العوامة أنفسهم، ومن ثم كانت تتضمن معلومات وآراء وأحكاما تشمل المجموعة بأسرها. يتحول المكان إلى مسرح حين يسلط عليه الضوء من نقطة خارجية. فيتحرك المشهد قليلا. يسمح انكشاف الوضع المسرحي بإعادة رؤية الشخصيات لمواقعها، وهذا لا يحدث إلا فيما يشبه الشكل الانفجاري. تخرج المجموعة لأول مرة عن حدود مكانها في رحلة مفاجئة إلى سقارة، وتتقاطر السخرية من التاريخ ومصائره العدمية في تعليقات عابثة من أفراد المجموعة، في رحلة العودة تصدم السيارة المجنونة جسدا مجهولا، وتفر شلة العوامة هاربة من الجريمة، حيث يبدأ الصراع الحقيقي لكنه في جوهره اعترافي. فالاعتراف أقصى ما يمكن أن تقدمه شخصيات لا تنظر إلا إلى صورها المثالية في وضع مرآوي. والمسرح بقدر ما هو عالم لا يسمح لأبطاله برؤية الجالسين في الصالة، بقدر ما لا يمكن تجاوزه إلا بتفجيره. وهكذا الشخوص أيضا الذين هم مجرد أقنعة لأفكار، إنهم يحولون فكرة الوطن إلى اقتراح، فكرة تصحح نفسها ومسارها عبر ضمير ذاتي. تكتب سمارة في ملاحظاتها التي اكتشفها أنيس " أمثال هؤلاء لا يعلمون و لايتطورون فكيف تصنعين بهم في مسرحية ترجين لها النجاح.. وثمة مشكلة أخرى، إن أحدهم لا يختلف عن الآخر إلا في القشور، وذلك أن أحدهم لا يكوّن شخصية، ولكنه يتكون من عناصر متحولة كبناء متهدم".
لكن الرواية الأكثر دلالة حقا في هذا الجانب هي "أفراح القبة". وأفراح القبة هو اسم مسرحية يقترحها مدير إحدى الفرق على ممثليها، حيث يكتشفون أنها لا تحكي إلا حياتهم  بكل تفاصيلها المليئة بالخيانة والقهر والجريمة والدعارة. ويجد أبطال الرواية أنفسم في وضع شاذ يمثلون كل يوم على خشبة المسرح سقطاتهم بالذات. هذا ما يصرخ به أحد الممثلين في وجه مدير الفرقة "ما هي بمسرحية، إنها اعتراف هي الحقيقة نحن أشخاصها الحقيقيون..". تلقى المسرحية نجاحا رغم اعتراض الممثلين الذين يواجهون أنفسهم كل ليلة. وينطلق الحكي  من هذه اللحظة بالذات التي يتحول فيها الواقع إلى مسرح. حيث تتكون الرواية من مونولوجات متوازية تحكي فيها كل شخصية اتكاء على اللحظة نفسها تاريخ أزمتها. هناك جريمة أو جرائم وهناك شعور حارق بالمسئولية يتكررلدى محفوظ في أعمال كثيرة، تنطلق من ضرورة تجاوز التاريخ المخزي، فعلى مدى أعماله الروائة يمكن الاعتقاد بأن محفوظ يكتب رواية ما قبل التاريخ ومن هنا تكمن نموذجيتها.
يحاول المؤلف الشاب إنجاز مسرحية أخرى، لكنه يفشل تاركا ورقة اعتراف بانتحاره، لكنه بطريقة مفاجئة أشبه بالحلم يذهب ليبتدئ حيا ة جديدة، فاللحظة المسرحية شكلت موته النموذجي، وحياته في الواقع، أي بداية تاريخه الفعلي.
خلاصة
يمثل المسرح مع هذا نوعا من الكرامة الجمالية للذين حرموا منها في الحياة، وبتمثيلهم حياتهم يعينون ماضيهم كقناع يتكسر، قناع للتجربة الأولية، لكن المسرح في الوقت نفسه يعطي للوطن بعدا إطلاقيا لا يحميه من الضعف، بل يدعم استثنائيته بصورة أكبر. إنها تحوله إلى تجربة ناجزة وليس مشروعا مدنيا معاصرا غير مكتمل، ومن ثم لا تتناول الرواية اغتراب الذات داخل الواقع المنقوص والمتحرك، بل تتناول شخصيات تنجز حضوراها من خلال اعترافها المسرحي باغترابها ليمثل هذا الاعتراف مأساتها المكتملة والمغلقة. إنها لا يمكن أن ترى واقعها إلا من خلال مسافة، هذا ما يقوله مؤلف المسرحية الشاب "تعودت أن أقبع في حجرتي لأرى الأشياء. لا ترى الحوادث في بيتنا إلا من الظلام. وقد جاء الصحاب في هزيع موغل في الليل.. مآسي المسرح تنتقل إلى بيتنا بأبطالها أو ضحاياها..إنهم ممثلون.. حتى الناقد ممثل أيضا.. لاشيء حقيقي إلا الكذب"
 وبالقدر نفسه فإن المدينة المحاصرة بالصحراء أو المهيأة على شكل مسرح محوط بالظلمة أو المنعكسة على مرآة قرين لها هي مدينة لا تتفاعل مع أبطالها ولا تشكل لهم مرجعا بل إطارا قهريا من العزلة، ولذلك فهم يجيئون ويمضون منها كالأشباح. إن وعيهم بأنفسهم لا يتحقق إلا بنوع من التركيز، نوع من التذكر لإثم غامض، وجناية بلا جناة.
غير أن الصحراء لم تكن تحيط بمدينة محفوظ فحسب، بل كانت تحيط بأبطاله شبه الغارقين في مونولوجاتهم الشخصية، و الأكثر أنها كانت تحيط بالمجال الأدبي ذاته، والمنتسبين إليه، ذلك المجال الذي ترافق ظهوره بمعناه الحديث مع أجواء ثورة 1919، وهي الثورة النتي تشكل لمحفوظ مرجعية خاصة.
وكما كانت قضية الاستقلال الوطني هي الشاغل السياسي، كذلك كانمت قضية الهوية هي الأفق الثقافي للإنتلجانسيا المصرية، وكلاهما كان عاجزا بطريقته. كان بزوغ المجال الأدبي مدينا للفكرة الوطنية، و ظهور الصحافة المرتبطة بها.لكن هذا الاستقلال كان ةنسبيا وضعيفا بقدر ما كان المشروع السياسي نخبويا وتابعا وفق منظومة اقتصادية وسياسية واسعة. فلقد كان المشروع السياسي المحلي متناقضا جذريا بقدر ما أراد أن يكون حداثيا مع الإبقاء على المصالح والامتيازات التقليدية، ولذلك لم يكن يقبله أبدا مشروع اجتماعي بالمعنى المفهوم، بل مشروع تعبوي يعمل على إعادة تجييش فئات من المجتمع تحت شعارات سياسية تمثل الشكل النهائي للولاء. وتم التعامل مع الوطن كفكرة بل كاستعارة ( وهو ما يزال يحدث حتى الآن) لا كتعبير سياسي عن مصالح فئات وطبقات. واتخذ الوطن في الأدبيات صورة شخصية تراجيدية تصارع قدرا متلاطما، بينما كان يتم التعامل مع القضية الوطنية فعليا وعلى مستوى التفاوض السياسي بصورة براجماتية وكأنها موضوع نزاع قانوني. يقول صبحي وحيدة في كتابه "أصول المسألة المصرية" عن طبيعة تكوين هذه الصفوة الوطنية "لفيف من الملاك الزراعيين و خريجي المدارس الجديدة ولاسيما المحامين والأدباء وطلبة العلم ، وهي على كل حال ( أي هذه الفئات) تعد القضية الوطنية مسألىة إقناع يحاوله أصحاب حق يريدون استعادته.. وهي تتخذ شكل الدعاية الصحفية والمساعي الشخصية .. و وضع المسألة هذا الوضع يهبط بها م مستوى النضال الوطني بين أمة تريد أن تستقل و دولة تريد أن تستعمر إلى مستوى التحايل على تالفوز بالحكم بين بضعة أفراد يطمحون إليه و ممثلي الدولة المحتلة.. وهؤلاء الطامحون عادة لا يجدون وراءهم سوى صلاتهم الخاصة و ما قد يعمدون إلى إثارته من تيارات شعبية لا يطول أجلها لعدم صدورها عن مصالح واعية".
في غياب هذا المجتمع الوعي بمصالحه نشأ المجال الأدبي الحديث كاستكمال لمظاهر الحداثة المدنية من جهة وكترجمة أدبية للفكرة الوطنية من قبل منتجيه من غير السياسيين مع بروز فكرة التخصص النسبي. وربما في غياب مجتمع حقيقي كانت الصيغة الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لشرعنة المجال الأدبي الذي صار يمثل ما يشبه الضمير السياسي حينما ينحرف السياسيين عن مسارهم الوطني. كان الغياب الاجتماعي والفشل النسبي في تكوين معرفة اجتماعية بحسب تعبيرات ريشار جاكمون " بين كتبة وكتاب" حافزا مغريا على تبادل المقعد السياسي و التركيز على ما يسمى "أزمة الضمير الوطني"، وهي كلمة بقدر ما تشخصن واقعا سياسيا بتحديده أولا داخل قدرية جغرافية تعزله وجوديا داخل حدوده، وثانيا باسباغ طابع الأزمة الأخلاقية عليه ، بقدر ما تكون قد وضعت حدا نهائيا للفرد باعتباره كيانا سياسيا أو ميتافيزيقيا.
داخل وضع كهذا تصبح فكرة الرواية في أزمة حقيقية. ربما كان الوضع المسرحي حلا بطريقة ما لمشكلة صناعة مكان أراد أن يطابق بين التاريخ الروائي و الواقع الوطني، بدأ على استحياء في الرواية الواقعية/ المحلية وترافق ربصورة أشد وضوحا و كثافة مع مراحل الشك و صناعة الأمثولة الوطنية، رغم أن الفكرة الوطنية ذاتها كانت تشكل عائقا لأمانة هذا التاريخ الذي لم قط مثاليا ولا نموذجيا بهذه الصورة، كما تطعن في مصداقية الفن الروائي ذاته، وهو سنتعرض له لاحقا.تعالج المسرحة ولو مؤقتا الخللل البنيوي بإكساب الفكرة الوطنية بعدا شخصيا يمثل ضميرا عاما معذبا و منقسما على نفسه، يعيش بقدر أخلاقي على حافة القلق في حارة ضيقة أو بانسيون أوعوامة، و تخلق منها حالة ملحمية حضارية.
ورغم أن قاهرة محفوظ ظلت أضيق من عاصمة حديثة تتركز فيها صراعات حية تصل مجتمعها بمجتمع عالمي، حيث بدت مجرد سجن يفرض أشكالا من الأوضاع المأساوية على الأفراد و يضفي الغموض على مصائرهم، إلا إنها كانت تتسع في إطار بطولة مسرحية متنمرة لتصبح أمثولة.
 

                              فكرت في الأقواس كجناحين.. مهاب نصر " اقترفت خطأ كبيرا. يبدو أنه من الصعب تد...