فكرت في الأقواس كجناحين..
مهاب نصر
" اقترفت خطأ
كبيرا. يبدو أنه من الصعب تدارك الأمر الآن. سيرى آخرون أنني أبالغ، لكنني حالما
انتهيت من كتابة الفقرات السابقة تبين أولا أنني وضعت الأقواس بشكل اعتباطي، كأنها
يوميات، أو رسائل متفاوتة الطول بحسب الحال. من البداية وأنا متشكك بهذه الأقواس؛
ماذا تعني فعلا؟ ماذا وراءها؟ أي عالم مفترض ذلك الذي يقبع هناك قبلها أو بعدها؟
تشير الأقواس إلى ذلك وتلمح إليه، إلى حيث تعيش كلمات أخرى، أو لا كلمات على
الإطلاق. يضع الناس أقواسا ليقولوا، أحيانا، أن الأمر مازال بيدهم، فهم يكتبون من
خارجها بالطبع. إنهم يبقونها هناك مثل أقفاص حيوانات، ويرتاحون قليلا متوسدين
مخداتهم ومفكرين في شيء آخر، يتابعون من بعيد حياة كانوا فيها أو كانت لهم، أتعتقدين
أنهم واهمون؟
يضعون أقواسا ليقولوا:
هذا ليس نحن، لسنا مسؤولون. وأحينا يضعونها بمكر كأنها قَرْصة.
لا أريد أن أشغلك بهذا
الآن. سيأتي وقته. فكرت في الأقواس كجناحين. وفكرت فيهما كأذني أرنب. سأخبرك كل
شيء ولكن ليس الآن"
".. في يوم ما بعيد جدا،
سمعت استغاثة أخي من المطبخ، لا أذكر ما الذي أصابه، لا قصة هنا يمكن حكايتها. هل جرح،
أو لامس سلكا كهربيا مكشوفا؟. ما أتذكره برهبة أنني عدوت بسرعة، وعند نقطة بعينها
بدا أن قفزتي واسعة وأقرب إلى أن تكون طيرانا، طيران حقيقي خفيف، طيرانلا وزن له. هذا
الشعور اللحظي لا يمكن توثيقه طبعا، ذاكرته هناك في جسدي، هذه الخفة المفاجئة
كأنها حالة سهو، نسيان للقانون الجاذب.. قناعة جسدية تحققت ببساطة، ولا دليل على
ما إذا كانت ذكرى حقيقية أو مختلقة. كانت تلك واقعة حقيقية، إن كان لكلمة حقيقة
معنى هنا.
لكن أحلام الطيران، فيما بعد، بقيت أكثر أحلامي بهجة.
غالبا ما كان طيرانا قريبا. أفاجأ مثلا أنني أتجه من بقعة إلى أخرى في غرفتي وإذ
بي قادر على التحليق قريبا من السقف، وأقول لنفسي في الحلم: إذن هو حقيقي.. فلماذا
لا أفعل ذلك في النهار؟
أذكر حلما كنت أطير فيه متوجها إلى المدرسة التي عملت
بها قبل سنوات، كان هناك صف من النخيل وأشجار أم الشعور على الرصيف العريض
باتجاهها. التحليق كان قريبا جدا من هذه الأشجار، ومن السعف العريض على هيئة مروحة
خضراء، ارتفاع يسمح لي أن أكون موازيا للأرض لكن على بعد أمتار قليلىة منها.
أتعرفين.. كان الشعور أقرب إلى الحنان منه إلى الدهشة أو السعادة. ولبضع دقائق بعد
استيقاظي يبدو السؤال حاضرا: إنه حقيقي.. فلماذا لا أفعل ذلك بالنهار؟. أكذب لو
قلت: كنت سعيدا لأنني حر، لم أكن نسرا ولا يمامة، ولا جناح لي بالتأكيد. كنت أطير
هكذا ببساطة كأنها إمكانية لم أكتشفها من قبل، كأنها محطة إذاعية لم توجهي إليها
المؤشر إلا الآن، كان الصوت موجودا وموجها إليك، كلمات كثيرة تبددت في الهواء، فقط
لأنك مررت بها دون انتباه، عضلات قريبة من الحنجرة توترت مئات المرات، لكن الرسالة
لم تصل. أتعرفين أي رعب هذا.. أن تشعري أن لديك رسالة لم تكن مودعة في مكان بعيد،
بل مضمومة ومطوية في الدم؟
كان الطيران فكرتك أيضا، بل كان فكرتك كلها. عن تحول
جذري أتحدث، عن رفض كامل للتسويف والاعتذارات، عن نظرة ذائبة فيما تنظر إليه، بحيث
يتبعثر الجسد كله مثل الريش، والفكرة تمر كالسهم بلا زمن. بوصة.. بوصتان؟ هذا ليس
طيرانا.، أليس هكذا كان يمكن ن تقولي؟
هذا استجداء، خلاعة، سحر، خدعة. الطيران يكون هكذا..
هوب.
بسبب آلام في عضلة الساقين، وبسبب الوقوف طويلا في حصص
الدرس، وبسبب الحيرة التي تراكم أعقاب السجائر، وتترك الرماد الأسود يندس مغلقا
الشرايين الرفيعة جداـ كنت أحلم بما كان يخجلني أحيانا. أنا في شارعنا. صباح بارد
وعلي أن أسرع إلى العمل، ولكنني أنتبه (هكذا وكأنني لم ألحظ ذلك) إلى أنني أزحف،
نصفي الأسفل ليس مشلولا لكنه ثقيل كأنني أجر حياتي كلها بعضلتين. أفشل في النهوض،
أرفع جذعي مستخدما ذراعي ومرفقي، ليس ما يهمني الألم بقدر ما ينخسني الشعور
بالعار.
لقد مر كل هذا. أفكر الآن في الأرض، في الجاذبية إن كنت
تريدين الدقة. أتدركين ماذا فعلت بنا. لقد جعلت من طيرانك مجرد "سقوط
حر". قفز رجل أحمق وكأنه اكتشف شيئا عظيما. وكان هذا الشيء هو مجرد مغناطيس،
مادة لا تعرف الكلام، ولكنها ببطء تفكك المفاصل والنسيج العضلي والأوتار واللحم.. صوت
المغني، والفكرة العابرة بالرأس وفواصل الجمل والأحرف الخربة والصمت.. حتى الصمت
يغرق في صمت مثله.
لقد كان عليّ أن أنتبه إلى طيراني الأول، طيراني الحقيقي.
ذلك أنني لا أكف عن السؤال: لماذا لا يحدث إذن في النهار؟. ونسيت أنه حدث فعلا.
أتدرين كيف؟ بسبب استغاثة. سمعت صيحة وعدوت، وعند نقطة ما أتذكرها جيدا، كنت قد
فقدت وزني.
ما حلمت به كان شيئا آخر، ارتفاع بقدر بوصات أو أمتار.
أفهم ذلك الآن فقط. كان هذا حلما بالخلود. لعلك تفهمين ذلك الآن أكثر من أي وقت،
فسقوطك الحر لم يكتمل أبدا. شيء ما في قلوبنا منعه من ذلك، عائق بسيط كالحب مثلا. أتؤمنين
بذلك؟ أنا أومن به.. بدرجة ما على الأقل.
".. هذه قصة حُكيت لي من أيام التلمذة. قصة قصيرة
جدا تتعلق بامتحان في الرياضيات، كنا قد بدأنا دروس الميكانيكا، وكأن السؤال عن تحديد
مركز الثقل لجسم ما. أحدهم توصل إلى نتيجة جعلته أضحوكة وقتها: لقد استنتج مركز
الثقل خارج الجسم نفسه. يضحك التلاميذ في هذه السن على أي شيء.. أي قصور أو عجز.
لكن ألا تجدين فكرته جديرة بالاعتبار؟ لقد جاء وقتها.. قلت لنفسي. لاحظي أن لهذه
الفكرة معنى مزدوجا، وربما أكثر.
يمكنك رؤية أننا محشورون في أجسامنا أكثر من أي وقت،
ولكن هذا لا يجعل لخطواتنا أي ثقل. لسنا خفافا ولا نصف طائرين، نسمع الصيحة ولا
نعدو، لأن مركز الثقل في مكان ما غامض جدا، أو لا مكان له. سيف يطير فوق الرؤوس
مباشرة بارتفاع بوصة أو بوصتين، نشرة أخبار نحن موضوعها، ولكن لا يمكننا الإمساك
بها، بموقعنا فيها. يمكنك الانصات إلى رفة
زاحفة تقطع الهواء. لا جاذبية. نحن أحرار (كما كنت تتمنين) من هذه الناحية على
الأقل، نستطيع أن نطير فوق بلاد كثيرة، ولكن بألم الساقين لشخص يزحف.
"مزاجي ليس حسنا. ها قد تذكرت شيئا.. أننا كنا
نتنبه بعد حوار طويل أننا انتقلنا من الفراش إلى مقعدي الغرفة المجاورة عريانين
تماما، ندخن ونضع ساقا على أخرى. لم يكن هذا مضحكا. كان طيرانا أرضيا. ولكن من كان
يستطيع إقناعك بهذا؟ .."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق