الأحد، 30 ديسمبر 2018



السفر من أجل المواساة





"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

سأكون في تسالونيكي






"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

سأكون في تسالونيكي



"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

السبت، 22 ديسمبر 2018

كالهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد



فكرة

أشياء كثيرة تؤلم
ولكن ليس كاسترجاع فكرة
إذ يفتح الواحد فمه
ويظن أنها ستمر
يطوي ذراعيه إلى صدره
ويتأسف
والآخرون يتظاهرون بالنسيان
فكّر أن تكون معهم
ادعك جبهتك
لكن الكلمات، حتى تلك المعروفة للجميع، تبدو مستحيلة أيضا
تنعطف فجأة
ثم تصبح غبارا
ـ "لديك قصص أخرى بالتأكيد"
غير أنها الآن بالذات
مثل طفل يحلم أنه يبول على نفسه
ويكون قد فعلها في الحقيقة
أتعرف كم هذا مهين؟
خديعة مزدوجة
ماض هو لاشيء
لكن من يقف عاريا هو الحاضر نفسه




ذاك الأحد
هل لديكم انطباعات عن مطر مساء الأحد؟
لا أقصد ذاك الأحد
الذي كنا فيه معا
نعصر أرواحنا على عتبة الباب
والضحكات بركة تتسع حول أقدامنا
أقصد الآخر، البعيد جدا
كبرق صامت
يحبس الأنفاس
أقصد الأمطار المسودّة
كخيوط تنسل من نسيج الليل
أقصد فرك اليدين
لا من البرد
بل بسبب يأس كنا نتوقعه
وها هو الآن يزم شفتيه
ثم يتنحنح
أقصد الملل كطقطقة الحطب
أسفل النار
من الذي قال ساعتها: لنقرأ قصيدة؟
من الذي جعل لارتعاشنا معنى
من كان البادئ بالبكاء،
ثم اندفعنا جميعا إلى الخارج
ثم إنها أرعدت
وكان للمطر صوت كالغناء؟




واجهة أبدية
في رحلة إلى بلد ما
انتبهت إلى أني أكلمك طوال الوقت
هكذا وجدت نفسي منهكا
في واجهة متجر "غاليريا إينو"
ـ ما اسم الشارع من فضلك؟
عقدت كوفيتي
في طريق العودة
كنت أحيي الوجه نفسه
على واجهات محال أخرى
البيريه يخفي جبهتي وعيني
هكذا يبدو وكأن قدمي وحدهما تتجولان
اشتريت مظلة يمكن طيها كمنديل
لم تكن تمطر
لكن هذا ما أحسب حسابه إلى الآن
تاركا وجهي هناك
كأنما ينتظر تحية




لو كانت لي أصابع
في البحر غابة لم تعبّر عن نفسها بعد
مغمورة مثلما يدفن الواحد اضطرابه بين ثديين
الحقيقة تريد أن تكون حسية
فتخفي نفسها في كلمات
الكلمات نفسها يائسة
وتقول: لو كانت لي أصابع؟
تحسب نفسها مجردة
فتقتل وتبكي
تكمش فراش النائم
وتقول: "لا أريد أن أحلم..
أغرقني أغرقني"
البحر يسمع لأنه جارنا
البحر يغرق في بحر آخر
كمن يريد أن يقطع لسانه
مع هذا نسمع الوشيش
ويترك فينا الموج انطباعا غريبا بالندم


لم تعد كلمتك
خطأ أو صواب
مثلومة أو مسننة
في العمق أو على الشفة
مسرعة كضوء متهور
أو مطحونة كهيكل سيارة في مستودع
هي لم تعد كلمتك
مد يدك
صافح هذا الشخص أو ذاك
مكتفيا بابتسامة لا تصدّق
عد ماشيا
تحت أعمدة الإنارة التي لا تنتهي
حتى تغرق جميعا
في شمس هائلة.
في هذه المدينة
لا يُسمَّى النهار ولا الليل
إلا مواربة
يمكن أن تعيش برأس ديك
أو رأس قملة
يعتقد البعض أنهم في سجن
فلا يتفوهون بحرف
وعلى أطراف أصابعهم يطلون من النوافذ
ثم يجفلون




كالهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
المطار على سفح جبليّ
كان علينا أن نعبر من حجرة تفتيش
لكن صفير العشب المتطاول،
الفراغ الصوتي الذي يخلفه جناح،
تَكَسُّرَ الثلج عن شفاهنا
مع كل زفير
الهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
وأفرغناه هنا كمتاع مشبوه
يا إلهي .. كل شيء يثير الفوضى
هناك شمس متصلبة في السماء
تنظر ولا تقول شيئا
أيكون التفتيش من أجل هذا؟
هل سنعبر جميعا إلى هناك؟
عراة على السفح
نكشف أسناننا عن الحشوات
عظامنا عن رضات وكسور
حلوقنا عن بقايا اللكنة
الطابور ذيله في الوادي
آخر نقطة بلا رأس
عميقة كتوبيخ
كأمل سحق في مطفأة سجائر
قبل النداء الأخير
أما الكلمات .. فتطير حولنا في كل اتجاه





القصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
لم أكتب شعرا أبدا
هذه الشفرات الحادة
التي خلفت جروحا بالكاد تُلحظ هنا وهنا
كانت هي البادئة
الأجنحة السود
التي تضرب وجهك في حلم
ثم تسرق اللسان
أبوك وأمك وهما يأتيانك برأسين من الجص
فقط ليخيفاك
اليد الطيبة للشارع التي ترفعك لأعلى
ثم تختبئ في جيب غير مكترث
فتظل خطوتك طوال حياتك
خطوة من كاد يطير
هكذا تندفع الكلمات
لا اتزان يحميها
معدة يعصرها الخوف
حساسية للزمن
كما لو أصابع امراة تتحسس ساعدك
فتتوتر بويصلات الشعر
الحب غضب
والقصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
ترنُّحٌ مفرط للسكْر
حقيقة لا تهنأ على وسادة
لأنها تتصرف كرأس
لا كسكين
الشعر؟!
احفر هنا أو هنا
تحت الدولة حتى
واشتَمّ عفونة النزوة
مَنيَّ العادة السرية
على شرف الجسد الغائب
والقابض على الخصيتين


الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

عَصر العجز الذاتي





مينا ناجي
لم يكن في عصر سابق فرصة لعيش حياة هانئة وقادرة على استهلاك المتع والمسرّات لهذا العدد من البشر مثل العصر الحالي؛ التقدم التكنولوجي والمعرفي في مجالات مثل الطب والزراعة والصناعة والاتصال وغيرها خلقت فرصا جديدة للتغلب على صعوبات كانت مميتة أو بالأقل مُدمرة لحقب طويلة سابقة. ولأول مرةفي تاريخ البشرية ينفرد امتداد زمني بلا حروب عالميّة أو أوبئة سوداء تكتسح العالم يروح ضحيتها ملايين من البشر. ومع ذلك، يشعر الواحد بأنه لا يقدر على حوز تلك المتع والمسرّات التي تبدو أنها تتقاذف على الجميع إلاه، أو يستغل الوضع المادي المتاح لكي يحقق ما يبتغيه في الحياة. لذلك فهذا العصر الأكثر رخاءً ووفرةً، هو أيضاً عصر الاكتئاب والقلق، فيبلغ عدد المصابين بمرض الاكتئاب وحده بحسب منظمة الصحة العالمية في عام 2018 إلى 300 مليون شخص حول العالم (بالنسب الأعلى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) ويبلغ عدد المصابين بالقلق أكثر من ضِعف هذا الرقم.
يمكن فهم هذا الوضع العجيب المتناقض عن طريق الوُعود الرأسماليّة-المتأخرة المُبطنة والمُعلنة، بل وأمرها المباشر، بالغرق في السعادة والحياة الرغيدة المليئة بالمتع، في ظل آثار تناقضاتها وجوانبها المُظلمة التي تدمِّر بشكل مُمنهج الاحتمالات بإنسانية مُشبعة ونامية، مما يصنع حملاً لا يطاق يسبّب شعوراً حادً بالعجز والغبن. هذا الشعور، الذي أدّعي أنه لم يكن بهذه الحدّة والانتشار في أي زمن سابق، يضخِّمه المنطق الخاص الذي يصاحب بالضرورة مبدأ التنافس الحر الاقتصادي بأن تقرير المصير الشخصي مبني على الإرادة الذاتيّة: "أنت نتاج ما تصنعه"؛ "السعادة والشقاء اختيار"؛ "لا تلم إلا نفسك وما جنته يداك فكل شيء متاح لك والفرص للنجاح والهناء متساوية"؛ إلخ.. مما يضيف أيضاً الشعور بالذنب واللوم الذاتي، فتجد مراراً من يتساءل في لوعة وحيرة حقيقيّة: لماذا أفعل هذا بنفسي؟ أي شيطان داخل عقلي يجعلني أكدُّ في تضييع ذاتي وتعذيبها؟ لمَا حياتي تعيسة هكذا؟
يهيمن إذاً شعوران العجز والذنب وينتج عنهما الحقد؛ يشير نيتشه بذكاء مراراً في كتاباته أن الحقد هو عاطفة الضعفاء. ذلك الحقد الذي يتحول إلى قسوة كلما أتيحت فرصة للانتقام. لكن انتقام ممن؟ في هذا السياق، من الذات المسؤولة عن شقائها وتعاستها، ومن الآخرين الذين يشكِّلون عقبة ويتسببون في منع الوصول إلى السعادة والهناء اللذين تعد بهما "الحياة" كحق مفترض. يظهر هذا الحقد في صورة الرغبة في الانتقام بثلاث تجليات مُختلفة: شخصيّة وسياسيّة وفنيّة.

علاقات الأذى
في المجال الشخصي يتحوَّل الحقد إلى سعي برجمَاتي مُلتَاث للحصول على المُتع بمنطق التعويض الانتقامي. لكي يشرح لك أحدهم ما فعله في رحلة سافرها أو سهرة قضاها يقول: "أنا انتقمت/أنا افتريت"، "أنت لا تفهم، كان عبثاً وجنوناً". يتبدَّى عنفٌ وغلٌ غريبان في ممارسات أنشطة الترفيه والمتع بما فيها علاقات الحُب والجنس (يزيد من هذا العنف الموقع الملتبس لهذه "المتع" في مجتمعاتنا بصفتها مُدنسة وقذرة أو على الأقل مشبوهة) ويتبلور دفع رهيب لامتصاص السعادة واحتضانها عبر تلك الأنشطة لتذوب بين الأصابع كالرمل، فيزداد انقباض اليد والكز على الأسنان.
تفشل مساعي الإشباع للوصول إلى السعادة، لأنه لا يوجد إشباع قائم على الانتقام ولا سعادة قائمة على الغل. يزداد الشعور بالفراغ واليأس، فكل الأشياء، حتى العلاقات الإنسانيّة، تبدو بلا مضمون يمكن استهلاكه والإمساك به؛ يتم الكَد في تطبيق كتالوج المتع والتنصّح في الإتيان بالمباهج وماتزال السعادة سراباً بشكل غريب. لكن "الجميع سعداء واللوم في النهاية يقع عليّ"، وبذلك يتم التظاهر بالسعادة على هيئة صور وفيديوهات تسيل بكثافة قهريّة والتي تصبح أهم من الحدث الواقعي، أو بحسب تعبير أحدهم: "الـcheck-in أهم من الذهاب للمكان نفسه".
يندفع ذلك الحقد اليائس في عنف وغل أقوى ويكون سعي بلا رحمة للإمساك بالوقت الذي ينزلق باستمرار عبر استهلاك انتقامي للآخرين وإيذائهم بشكل مباشر وعشوائي ولا إرادي؛ تصبح القاعدة العمليّة: من يخدع الآخر ويستخدمه قبل أن يتم استغفاله هو، ويصبح الانبساط تكليفاً مجهداً وكفاحاً مدمراً. ينعكس ذلك في رواج حِكَم عنيفة وعدائيّة تتخذ شكل الفهم العميق: "الحياة قصيرة على مراعاة المشاعر"، "لا تفكر مرتين إذا اآذيت حتى لو كان أقرب الناس إليك"، "أقوى انتقام ممن يكرهونك هو أن تكون سعيداً"، "الحب خدعة والإخلاص سذاجة، المجد للانبساط الحر"، "لا وقت للطاقة السلبية، بطّلنا اللي يعطلنا"، إلخ..

سياسات الحِقد
يأخذ الحِقد في المجال السياسي شكلاً نقيضاً لتجلِّيه الأول بصفته اهتماماً بشؤون الآخرين واشتباكاً مع الوضع العام، وبدلاً من تبدّيه الفردي-الإيجابي (سعي) يتبع مسلكاً جمعيّاً سلبيّاً (نفي)، في تقاطع مع مفهوم مهيمن آخر هو اليأس؛ فمن البديهيات التي أصبحت لا تُساءل أن العصر القائم هو عصر اليأس (من أشياء مثل الحقيقة والمعنى والهدف)، والوعي بهذا يرتبط بالتنوُّر: إذا لم تكن يائساً فأنت إما أحمق ساذج أو مؤدلج أعمى.
وهكذا، يندفع الحقد ممزوجاً باليأس الايديولوجي كأداءات وانفعالات جمعيّة مُغلَّفة بثياب أخلاقوية مضمونها الرغبة في الانتقام، لتصبح سياسات التحرُّر تحركات استراتيجيّة تقوم على مُهاجمة ونفي الآخر؛ التحرّر النسْوي ينحدر إلى نفي للذكورة وإرهابها واستبطان ما هو عنيف فيها؛ المُساواة العِرقيّة إدانة مُطلقة وسباقاً في المظلوميّة؛ التنوع الجنساني احتقار للشائع وانقسام ذاتي وتطلُّع للتدمير؛ إلخ.. يمكن رؤية هذا في تحوّل بلاغة النضال التحرّري في عقود قليلة من شعارات "التضامن" و"المساواة" و"الانفتاح على الأخر" إلى "الحقوق الخاصة" و"التمثيل الجماعاتي" و"توكيدالهويّة"،بل نكوص المنطق النضالي نفسه من سعي نحو العدالة إلى مجرد صوابيّة سياسيّة توظَّف في واقع الحال كمظلّة عامة لممارسات عُنفيّة وإقصائيّة، تستهدف بشكل طُهراني متزايد حتى الأفراد العُزّل في شراهة انتقاميّة تعمل بآليات للتقسيم والمزايدة لا تنتهي أبداً.
تراجعت أدوار اليسار التاريخيّة في نشر الوعي وضمّ الأفراد في حركات تضامنيّة لخلخلة نظام الظلم في أشكاله المختلفة، ولم يعد ثمة خجل من إعلان الانتقام وإطفاء الغليل من مظالم تاريخيّة أو آنية كدافع للممارسة السياسية والنضال الاجتماعي، دون حساب أن كل هذا العنف سيوّلد عنفاً مقابلاً في تغذية لكل ما هو خطير ووحشي كنبوءة تحقق نفسها، أو يؤدي إلى انسحاب الجموع من لعبة الابتزاز والغل في أمل للعيش حياة أفضل تقوم على خدمة احتياجاتهم ومخاطبة مشاغلهم، وذلك لأن التنظيم المنفتح والمتنامي، حتى على المستوى المحلي والجزئي، يُبنى، ونصب العيان هدف إيجابي عام يتم النضال بشكل نهائي من أجل الوصول إليه.

فن الانتقام والفنّان الحاقد
إذا كان الفن الشعبي السائد قائم على اشباع الرغبات بشكل متخيَّل، فإنه قد أصبح يعتمد بشكل أساسي على قلب الاحساس بالعجز إلى التماهي مع شخصيات خارقة لدرجة كاريكاتوريّة من المبالغة، وهو ما قديفسِّر جزئياً شعبيّة أفلام الأبطال الخارقين واكتساحها العالم، بتأكيدها في الحبكة فكرة أن اكتساب تلك القدرات الخارقة يحدث للأشخاص العاديين. هذا بجانب التوسع في أفلام الانتقام، التي يُطلق فيها الحقد كعنف مُجاز أخلاقياً، ومن أشهر نماذجها أفلام المخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو، التي تتكرر فيها تيمة الانتقام الدموي للضحية من ظالميها، مع تنويعات لأبطالها من الفئات المستضعفة أو المهمشة: امرأة سوداء (Jackie Brown) أو شقراء (Kill Bill)، شابات صغيرات (Death Proof)، عبد أسود (Django Unchained)، يهود (Inglorious Bastards)، إلخ..خفتت بذلك الأعمال الدراميّة التي تحوي رسائل قبول الجميع على اختلافهم التي تميزت بها الليبراليّة التعدديّة فترة التسعينيات والألفينيات، لتحل مكانها، كما في مُنتجات الأدب والغناء والكوميديا، نسخة أكثر عنفاً تقوم على العكس المرآوي للأدوار: المرأة التي تبحث أولاً عن شهوتها وتعنِّف الرجل وتهجره، المثلي الذي يسخر من دونية الغيري، الملون الذي يحتقر سذاجة وتفاهة الأبيض، إلخ.. بشكل احتفائي وانتقامي حقود مع الحفاظ على نفس بنيّة الظلم والسيطرة والتسلط.
يمكن رؤية نفس تلك الآليات في الأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة المصريّة في السنين الأخيرة مع نسبتها لفئات مُختلفة؛ فالذكورة المغدورة والعاجزة عن أداء مهامها التقليديّة الثقافيّة هي التي تظهر خارقة على الشاشة وهي تقوم برحلات انتقامية مليئة بالعنف وإظهار القوة، ويتم عكس الأدوار بمطاردة المرأة الجميلة الناجحة للرجل ومحاولتها بأي ثمن لفت انتباهه واسترضاءه مع خضوعها الكامل له، إلخ..مع ظهور نمط جديد من الأعمال أبطالها شخصياتسيكوباتيّةمريضة تمثل التجسيد الحي للحقد الخالص والمكشوف والتي تقتل وتدمر كل من حولها بلا منطق ولا دافع سوى الكراهية والعجز.
وبشكل عام في المشهد الأدبي والفني، ولأسباب مركبة تضعه في حالة حادة من البؤس والفقر، برز نموذج الفنَّان الحاقد الذي يتكسّب من حقده بظهوره كصوت صارخ في البرية، متخذاً دور صوت الحقيقة الكاشف الذي يذكّر الجميع بآثامهم وزيفهم ووضاعتهم، لكن دافع الحقد يجعل أي مُعالجة يقوم بها للوضع القائم هجوماً لرد صفعة الإهانة وتفريغ للغل؛ يجلس الفنّان الحاقد طول الوقت مقرفصاً على أطراف أصابعه موسعاً عينيه متأهباً للهجوم، حتى الصداقات التي يعقدها تكون تحالفات حرب تنقلب لأوهى سبب إلى عداواتم مربِحة أكثر. ينعكس هذا داخل أعماله نفسها، فتكون في جوهرها
لا محاولة للفهم وإلقاء ضوء مغاير على الوضع الإنساني بل غضب ذات مجروحة متضخمة تحاكم الجميع وتحاكم الحياة نفسها التي وعدت بالكثير ولم تف..

                              فكرت في الأقواس كجناحين.. مهاب نصر " اقترفت خطأ كبيرا. يبدو أنه من الصعب تد...