الأحد، 30 ديسمبر 2018



السفر من أجل المواساة





"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

سأكون في تسالونيكي






"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

سأكون في تسالونيكي



"سأكون في تسالونيكي.. تعال"
الآخر يقترح كيب تاون
"ساحرة"ـ
ولا يبتلع دخان سيجارته
ينفثه من منخريه كحصان في زقاق بارد
..
يطيبون خاطري بالوعد
على شاشة الهاتف
غرفة بنافذة ناتئة
ستارتها معقودة من المنتصف
مثل جديلة شعر
"تفهمني طبعا"ـ
بوابة فندق
كأن أحدهم نفخ من الداخل
فثارت أوراق صفراء ناشفة
كانت واضحة
لدرجة تشعر معها بالألم.
أراني صديق سلك تلفريك ثخين
وقال: "هنا"
وتأرجح على كرسيه.
...
دائما عليّ أن أتخيل
من أجل المواساة
لكن إرضائي يصبح أكثر عسرا
لا ينتبه أحد أنني أشعر بالدوار
أن ثقل العالم تحت قدمي يخيفني
أنني خرجت من بوابة الفندق
إثر مشاجرة
أن ذلك كان بسبب ستارة
تزيحها يدٌ ما
أنني على ارتفاع شاهق
أفقد إنسانيتي
لماذا لا تقرأون كتابي؟
لا أقصد هذا الأخير
الضامر العاطفيّ
أقصد الذي حصد نجمتين على الموقع
وكنت بدوري سأضيف نسرا
الفندق حصد ثلاثا
إنه كتاب جيد
الغلاف على الأقل موحٍ:
مظاهرة بألوان حية،
والعنوان.. يا إلهي!
يمكنك أن تصل إليه ماشيا
صور عجيبة، فيها باب يئن
وعاشقان يلعبان بقاطرة بخارية
فيه أفكار عن الواقع.. الواقع نعم،
وقد كُتبت في حلم
بالطريقة التي تقرب الأشياء
كما في خرائط جوجل
حتى إنها تحك جلدك
كأنك على ارتفاع شاهق
أتضحك؟
ماذا لو قرأت كتابي الذي لم أكتبه أنا، بل صديقة لي
سافرَتْ وكتبتْ
لدي صورة وأنا أعبر شارعا
مائلا برأسي
وفي يدي مطوية،
مخطوطة سقطت صاحبتها كملاك
تصور؟
ضاجعتْ شابا في قبرص
وأنا أصحح المخطوط على الشاطئ المقابل،
ضاجعتها على ضوء شمعة
وهي تكتب مقدمة
ضحك مكتوم شرخ رئتينا
سافرتْ، وأنا أيضا
كتابها أُحرق، وكتابي حصد نجمتين
وكنت سأضيف نسرا
أنتم تسافرون الآن بسهولة مخجلة
أي مواساة هنا؟!
كان هذا من قبلُ يعني ثورة،
لا تعود الكلمة طيبة ولا شريرة
بل عينا زائغة
ونفضة أثناء النوم
بسبب ما يشبه سقوط ملاك

السبت، 22 ديسمبر 2018

كالهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد



فكرة

أشياء كثيرة تؤلم
ولكن ليس كاسترجاع فكرة
إذ يفتح الواحد فمه
ويظن أنها ستمر
يطوي ذراعيه إلى صدره
ويتأسف
والآخرون يتظاهرون بالنسيان
فكّر أن تكون معهم
ادعك جبهتك
لكن الكلمات، حتى تلك المعروفة للجميع، تبدو مستحيلة أيضا
تنعطف فجأة
ثم تصبح غبارا
ـ "لديك قصص أخرى بالتأكيد"
غير أنها الآن بالذات
مثل طفل يحلم أنه يبول على نفسه
ويكون قد فعلها في الحقيقة
أتعرف كم هذا مهين؟
خديعة مزدوجة
ماض هو لاشيء
لكن من يقف عاريا هو الحاضر نفسه




ذاك الأحد
هل لديكم انطباعات عن مطر مساء الأحد؟
لا أقصد ذاك الأحد
الذي كنا فيه معا
نعصر أرواحنا على عتبة الباب
والضحكات بركة تتسع حول أقدامنا
أقصد الآخر، البعيد جدا
كبرق صامت
يحبس الأنفاس
أقصد الأمطار المسودّة
كخيوط تنسل من نسيج الليل
أقصد فرك اليدين
لا من البرد
بل بسبب يأس كنا نتوقعه
وها هو الآن يزم شفتيه
ثم يتنحنح
أقصد الملل كطقطقة الحطب
أسفل النار
من الذي قال ساعتها: لنقرأ قصيدة؟
من الذي جعل لارتعاشنا معنى
من كان البادئ بالبكاء،
ثم اندفعنا جميعا إلى الخارج
ثم إنها أرعدت
وكان للمطر صوت كالغناء؟




واجهة أبدية
في رحلة إلى بلد ما
انتبهت إلى أني أكلمك طوال الوقت
هكذا وجدت نفسي منهكا
في واجهة متجر "غاليريا إينو"
ـ ما اسم الشارع من فضلك؟
عقدت كوفيتي
في طريق العودة
كنت أحيي الوجه نفسه
على واجهات محال أخرى
البيريه يخفي جبهتي وعيني
هكذا يبدو وكأن قدمي وحدهما تتجولان
اشتريت مظلة يمكن طيها كمنديل
لم تكن تمطر
لكن هذا ما أحسب حسابه إلى الآن
تاركا وجهي هناك
كأنما ينتظر تحية




لو كانت لي أصابع
في البحر غابة لم تعبّر عن نفسها بعد
مغمورة مثلما يدفن الواحد اضطرابه بين ثديين
الحقيقة تريد أن تكون حسية
فتخفي نفسها في كلمات
الكلمات نفسها يائسة
وتقول: لو كانت لي أصابع؟
تحسب نفسها مجردة
فتقتل وتبكي
تكمش فراش النائم
وتقول: "لا أريد أن أحلم..
أغرقني أغرقني"
البحر يسمع لأنه جارنا
البحر يغرق في بحر آخر
كمن يريد أن يقطع لسانه
مع هذا نسمع الوشيش
ويترك فينا الموج انطباعا غريبا بالندم


لم تعد كلمتك
خطأ أو صواب
مثلومة أو مسننة
في العمق أو على الشفة
مسرعة كضوء متهور
أو مطحونة كهيكل سيارة في مستودع
هي لم تعد كلمتك
مد يدك
صافح هذا الشخص أو ذاك
مكتفيا بابتسامة لا تصدّق
عد ماشيا
تحت أعمدة الإنارة التي لا تنتهي
حتى تغرق جميعا
في شمس هائلة.
في هذه المدينة
لا يُسمَّى النهار ولا الليل
إلا مواربة
يمكن أن تعيش برأس ديك
أو رأس قملة
يعتقد البعض أنهم في سجن
فلا يتفوهون بحرف
وعلى أطراف أصابعهم يطلون من النوافذ
ثم يجفلون




كالهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
المطار على سفح جبليّ
كان علينا أن نعبر من حجرة تفتيش
لكن صفير العشب المتطاول،
الفراغ الصوتي الذي يخلفه جناح،
تَكَسُّرَ الثلج عن شفاهنا
مع كل زفير
الهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
وأفرغناه هنا كمتاع مشبوه
يا إلهي .. كل شيء يثير الفوضى
هناك شمس متصلبة في السماء
تنظر ولا تقول شيئا
أيكون التفتيش من أجل هذا؟
هل سنعبر جميعا إلى هناك؟
عراة على السفح
نكشف أسناننا عن الحشوات
عظامنا عن رضات وكسور
حلوقنا عن بقايا اللكنة
الطابور ذيله في الوادي
آخر نقطة بلا رأس
عميقة كتوبيخ
كأمل سحق في مطفأة سجائر
قبل النداء الأخير
أما الكلمات .. فتطير حولنا في كل اتجاه





القصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
لم أكتب شعرا أبدا
هذه الشفرات الحادة
التي خلفت جروحا بالكاد تُلحظ هنا وهنا
كانت هي البادئة
الأجنحة السود
التي تضرب وجهك في حلم
ثم تسرق اللسان
أبوك وأمك وهما يأتيانك برأسين من الجص
فقط ليخيفاك
اليد الطيبة للشارع التي ترفعك لأعلى
ثم تختبئ في جيب غير مكترث
فتظل خطوتك طوال حياتك
خطوة من كاد يطير
هكذا تندفع الكلمات
لا اتزان يحميها
معدة يعصرها الخوف
حساسية للزمن
كما لو أصابع امراة تتحسس ساعدك
فتتوتر بويصلات الشعر
الحب غضب
والقصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
ترنُّحٌ مفرط للسكْر
حقيقة لا تهنأ على وسادة
لأنها تتصرف كرأس
لا كسكين
الشعر؟!
احفر هنا أو هنا
تحت الدولة حتى
واشتَمّ عفونة النزوة
مَنيَّ العادة السرية
على شرف الجسد الغائب
والقابض على الخصيتين


الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

عَصر العجز الذاتي





مينا ناجي
لم يكن في عصر سابق فرصة لعيش حياة هانئة وقادرة على استهلاك المتع والمسرّات لهذا العدد من البشر مثل العصر الحالي؛ التقدم التكنولوجي والمعرفي في مجالات مثل الطب والزراعة والصناعة والاتصال وغيرها خلقت فرصا جديدة للتغلب على صعوبات كانت مميتة أو بالأقل مُدمرة لحقب طويلة سابقة. ولأول مرةفي تاريخ البشرية ينفرد امتداد زمني بلا حروب عالميّة أو أوبئة سوداء تكتسح العالم يروح ضحيتها ملايين من البشر. ومع ذلك، يشعر الواحد بأنه لا يقدر على حوز تلك المتع والمسرّات التي تبدو أنها تتقاذف على الجميع إلاه، أو يستغل الوضع المادي المتاح لكي يحقق ما يبتغيه في الحياة. لذلك فهذا العصر الأكثر رخاءً ووفرةً، هو أيضاً عصر الاكتئاب والقلق، فيبلغ عدد المصابين بمرض الاكتئاب وحده بحسب منظمة الصحة العالمية في عام 2018 إلى 300 مليون شخص حول العالم (بالنسب الأعلى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) ويبلغ عدد المصابين بالقلق أكثر من ضِعف هذا الرقم.
يمكن فهم هذا الوضع العجيب المتناقض عن طريق الوُعود الرأسماليّة-المتأخرة المُبطنة والمُعلنة، بل وأمرها المباشر، بالغرق في السعادة والحياة الرغيدة المليئة بالمتع، في ظل آثار تناقضاتها وجوانبها المُظلمة التي تدمِّر بشكل مُمنهج الاحتمالات بإنسانية مُشبعة ونامية، مما يصنع حملاً لا يطاق يسبّب شعوراً حادً بالعجز والغبن. هذا الشعور، الذي أدّعي أنه لم يكن بهذه الحدّة والانتشار في أي زمن سابق، يضخِّمه المنطق الخاص الذي يصاحب بالضرورة مبدأ التنافس الحر الاقتصادي بأن تقرير المصير الشخصي مبني على الإرادة الذاتيّة: "أنت نتاج ما تصنعه"؛ "السعادة والشقاء اختيار"؛ "لا تلم إلا نفسك وما جنته يداك فكل شيء متاح لك والفرص للنجاح والهناء متساوية"؛ إلخ.. مما يضيف أيضاً الشعور بالذنب واللوم الذاتي، فتجد مراراً من يتساءل في لوعة وحيرة حقيقيّة: لماذا أفعل هذا بنفسي؟ أي شيطان داخل عقلي يجعلني أكدُّ في تضييع ذاتي وتعذيبها؟ لمَا حياتي تعيسة هكذا؟
يهيمن إذاً شعوران العجز والذنب وينتج عنهما الحقد؛ يشير نيتشه بذكاء مراراً في كتاباته أن الحقد هو عاطفة الضعفاء. ذلك الحقد الذي يتحول إلى قسوة كلما أتيحت فرصة للانتقام. لكن انتقام ممن؟ في هذا السياق، من الذات المسؤولة عن شقائها وتعاستها، ومن الآخرين الذين يشكِّلون عقبة ويتسببون في منع الوصول إلى السعادة والهناء اللذين تعد بهما "الحياة" كحق مفترض. يظهر هذا الحقد في صورة الرغبة في الانتقام بثلاث تجليات مُختلفة: شخصيّة وسياسيّة وفنيّة.

علاقات الأذى
في المجال الشخصي يتحوَّل الحقد إلى سعي برجمَاتي مُلتَاث للحصول على المُتع بمنطق التعويض الانتقامي. لكي يشرح لك أحدهم ما فعله في رحلة سافرها أو سهرة قضاها يقول: "أنا انتقمت/أنا افتريت"، "أنت لا تفهم، كان عبثاً وجنوناً". يتبدَّى عنفٌ وغلٌ غريبان في ممارسات أنشطة الترفيه والمتع بما فيها علاقات الحُب والجنس (يزيد من هذا العنف الموقع الملتبس لهذه "المتع" في مجتمعاتنا بصفتها مُدنسة وقذرة أو على الأقل مشبوهة) ويتبلور دفع رهيب لامتصاص السعادة واحتضانها عبر تلك الأنشطة لتذوب بين الأصابع كالرمل، فيزداد انقباض اليد والكز على الأسنان.
تفشل مساعي الإشباع للوصول إلى السعادة، لأنه لا يوجد إشباع قائم على الانتقام ولا سعادة قائمة على الغل. يزداد الشعور بالفراغ واليأس، فكل الأشياء، حتى العلاقات الإنسانيّة، تبدو بلا مضمون يمكن استهلاكه والإمساك به؛ يتم الكَد في تطبيق كتالوج المتع والتنصّح في الإتيان بالمباهج وماتزال السعادة سراباً بشكل غريب. لكن "الجميع سعداء واللوم في النهاية يقع عليّ"، وبذلك يتم التظاهر بالسعادة على هيئة صور وفيديوهات تسيل بكثافة قهريّة والتي تصبح أهم من الحدث الواقعي، أو بحسب تعبير أحدهم: "الـcheck-in أهم من الذهاب للمكان نفسه".
يندفع ذلك الحقد اليائس في عنف وغل أقوى ويكون سعي بلا رحمة للإمساك بالوقت الذي ينزلق باستمرار عبر استهلاك انتقامي للآخرين وإيذائهم بشكل مباشر وعشوائي ولا إرادي؛ تصبح القاعدة العمليّة: من يخدع الآخر ويستخدمه قبل أن يتم استغفاله هو، ويصبح الانبساط تكليفاً مجهداً وكفاحاً مدمراً. ينعكس ذلك في رواج حِكَم عنيفة وعدائيّة تتخذ شكل الفهم العميق: "الحياة قصيرة على مراعاة المشاعر"، "لا تفكر مرتين إذا اآذيت حتى لو كان أقرب الناس إليك"، "أقوى انتقام ممن يكرهونك هو أن تكون سعيداً"، "الحب خدعة والإخلاص سذاجة، المجد للانبساط الحر"، "لا وقت للطاقة السلبية، بطّلنا اللي يعطلنا"، إلخ..

سياسات الحِقد
يأخذ الحِقد في المجال السياسي شكلاً نقيضاً لتجلِّيه الأول بصفته اهتماماً بشؤون الآخرين واشتباكاً مع الوضع العام، وبدلاً من تبدّيه الفردي-الإيجابي (سعي) يتبع مسلكاً جمعيّاً سلبيّاً (نفي)، في تقاطع مع مفهوم مهيمن آخر هو اليأس؛ فمن البديهيات التي أصبحت لا تُساءل أن العصر القائم هو عصر اليأس (من أشياء مثل الحقيقة والمعنى والهدف)، والوعي بهذا يرتبط بالتنوُّر: إذا لم تكن يائساً فأنت إما أحمق ساذج أو مؤدلج أعمى.
وهكذا، يندفع الحقد ممزوجاً باليأس الايديولوجي كأداءات وانفعالات جمعيّة مُغلَّفة بثياب أخلاقوية مضمونها الرغبة في الانتقام، لتصبح سياسات التحرُّر تحركات استراتيجيّة تقوم على مُهاجمة ونفي الآخر؛ التحرّر النسْوي ينحدر إلى نفي للذكورة وإرهابها واستبطان ما هو عنيف فيها؛ المُساواة العِرقيّة إدانة مُطلقة وسباقاً في المظلوميّة؛ التنوع الجنساني احتقار للشائع وانقسام ذاتي وتطلُّع للتدمير؛ إلخ.. يمكن رؤية هذا في تحوّل بلاغة النضال التحرّري في عقود قليلة من شعارات "التضامن" و"المساواة" و"الانفتاح على الأخر" إلى "الحقوق الخاصة" و"التمثيل الجماعاتي" و"توكيدالهويّة"،بل نكوص المنطق النضالي نفسه من سعي نحو العدالة إلى مجرد صوابيّة سياسيّة توظَّف في واقع الحال كمظلّة عامة لممارسات عُنفيّة وإقصائيّة، تستهدف بشكل طُهراني متزايد حتى الأفراد العُزّل في شراهة انتقاميّة تعمل بآليات للتقسيم والمزايدة لا تنتهي أبداً.
تراجعت أدوار اليسار التاريخيّة في نشر الوعي وضمّ الأفراد في حركات تضامنيّة لخلخلة نظام الظلم في أشكاله المختلفة، ولم يعد ثمة خجل من إعلان الانتقام وإطفاء الغليل من مظالم تاريخيّة أو آنية كدافع للممارسة السياسية والنضال الاجتماعي، دون حساب أن كل هذا العنف سيوّلد عنفاً مقابلاً في تغذية لكل ما هو خطير ووحشي كنبوءة تحقق نفسها، أو يؤدي إلى انسحاب الجموع من لعبة الابتزاز والغل في أمل للعيش حياة أفضل تقوم على خدمة احتياجاتهم ومخاطبة مشاغلهم، وذلك لأن التنظيم المنفتح والمتنامي، حتى على المستوى المحلي والجزئي، يُبنى، ونصب العيان هدف إيجابي عام يتم النضال بشكل نهائي من أجل الوصول إليه.

فن الانتقام والفنّان الحاقد
إذا كان الفن الشعبي السائد قائم على اشباع الرغبات بشكل متخيَّل، فإنه قد أصبح يعتمد بشكل أساسي على قلب الاحساس بالعجز إلى التماهي مع شخصيات خارقة لدرجة كاريكاتوريّة من المبالغة، وهو ما قديفسِّر جزئياً شعبيّة أفلام الأبطال الخارقين واكتساحها العالم، بتأكيدها في الحبكة فكرة أن اكتساب تلك القدرات الخارقة يحدث للأشخاص العاديين. هذا بجانب التوسع في أفلام الانتقام، التي يُطلق فيها الحقد كعنف مُجاز أخلاقياً، ومن أشهر نماذجها أفلام المخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو، التي تتكرر فيها تيمة الانتقام الدموي للضحية من ظالميها، مع تنويعات لأبطالها من الفئات المستضعفة أو المهمشة: امرأة سوداء (Jackie Brown) أو شقراء (Kill Bill)، شابات صغيرات (Death Proof)، عبد أسود (Django Unchained)، يهود (Inglorious Bastards)، إلخ..خفتت بذلك الأعمال الدراميّة التي تحوي رسائل قبول الجميع على اختلافهم التي تميزت بها الليبراليّة التعدديّة فترة التسعينيات والألفينيات، لتحل مكانها، كما في مُنتجات الأدب والغناء والكوميديا، نسخة أكثر عنفاً تقوم على العكس المرآوي للأدوار: المرأة التي تبحث أولاً عن شهوتها وتعنِّف الرجل وتهجره، المثلي الذي يسخر من دونية الغيري، الملون الذي يحتقر سذاجة وتفاهة الأبيض، إلخ.. بشكل احتفائي وانتقامي حقود مع الحفاظ على نفس بنيّة الظلم والسيطرة والتسلط.
يمكن رؤية نفس تلك الآليات في الأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة المصريّة في السنين الأخيرة مع نسبتها لفئات مُختلفة؛ فالذكورة المغدورة والعاجزة عن أداء مهامها التقليديّة الثقافيّة هي التي تظهر خارقة على الشاشة وهي تقوم برحلات انتقامية مليئة بالعنف وإظهار القوة، ويتم عكس الأدوار بمطاردة المرأة الجميلة الناجحة للرجل ومحاولتها بأي ثمن لفت انتباهه واسترضاءه مع خضوعها الكامل له، إلخ..مع ظهور نمط جديد من الأعمال أبطالها شخصياتسيكوباتيّةمريضة تمثل التجسيد الحي للحقد الخالص والمكشوف والتي تقتل وتدمر كل من حولها بلا منطق ولا دافع سوى الكراهية والعجز.
وبشكل عام في المشهد الأدبي والفني، ولأسباب مركبة تضعه في حالة حادة من البؤس والفقر، برز نموذج الفنَّان الحاقد الذي يتكسّب من حقده بظهوره كصوت صارخ في البرية، متخذاً دور صوت الحقيقة الكاشف الذي يذكّر الجميع بآثامهم وزيفهم ووضاعتهم، لكن دافع الحقد يجعل أي مُعالجة يقوم بها للوضع القائم هجوماً لرد صفعة الإهانة وتفريغ للغل؛ يجلس الفنّان الحاقد طول الوقت مقرفصاً على أطراف أصابعه موسعاً عينيه متأهباً للهجوم، حتى الصداقات التي يعقدها تكون تحالفات حرب تنقلب لأوهى سبب إلى عداواتم مربِحة أكثر. ينعكس هذا داخل أعماله نفسها، فتكون في جوهرها
لا محاولة للفهم وإلقاء ضوء مغاير على الوضع الإنساني بل غضب ذات مجروحة متضخمة تحاكم الجميع وتحاكم الحياة نفسها التي وعدت بالكثير ولم تف..

السبت، 17 نوفمبر 2018

لغة مقدسة ومجاذيب

مهاب نصر


واحد من المؤلفات المثيرة للتأمل كتاب الباحثة الإيرانية نيلوفر حائري "لغة مقدسة وناس عاديون.. معضلات الثقافة والسياسة في مصر". حائري التي عاشت في القاهرة سنوات مقيمة في بيوت أسر مصرية لم تقف أمام السؤال عن الازدواج اللغوي في مصر بين العامية والعربية لتجعل العامية ببساطة تمثيلا للإنسان العادي أو "المواطن الأصيل"، في مواجهة العربية الفصحى؛ لغة الدواوين والوزارات والإعلام والمدارس الرسمية والثقافة أيضا.. أي لغة السلطة والنخبة، ولكنها قطعت خطوة أبعد للتساءل عن الاحترام (وأحيانا التقديس) الذي يحمله العوام للغة يتعلمونها بعسر، ولا يحسنون الكلام بها، لغة ليست هي بالتأكيد "اللغة الأم". من المفهوم، مع بقاء ذلك أمرا إشكاليا، أن يكون هناك نوع من التقديس للعربية لاعتبارات دينية، وهي اعتبارات بولغ فيها واستغلت بكيفية ما لتكريس سلطة جانب من نخبة ثقافية تقليدية تشكلت وفق منوظمة تعليم ديني وكانت امتدادا تاريخيا لنظم تعليم قروسطية شكّل الأزهر والكتاتيب حصنها ومعقلها. لكن هذا نفسه يكشف عن طبيعة التركيب الاجتماعي/ الثقافي المتداخل. القضية ليست ببساطة أنه كان من الممكن الانحياز للعامية، أو الفصحى تمثيلا لطبقة أو جماعة بشرية، وإن كان هذا يحدث أحيانا وربما دائما بشكل ضمني، بحيث يمكن أن تعبر هذه أو تلك عن مصالح من تمثلهم ووعيهم وثقافتهم، بل كان الأمران ملتبسين في كل فئة: فتقديس "العاديين" للغة لم يكن يعني بحال أنها: حقيقة، بل هي مقدسة وزائفة. إن فكرة القداسة تُرجأ باستمرار لمسافة يعتقد فيها بجزم، مع بقائها مستحيلة. وكلمة "فقي" التي كان يطلقها الناس على الناطقين بتفاصح كانت تحمل معنى التهكم المنسوب إلى "الفقيه" رجل الدين، بل ابعد من ذلك إلى كون لغته زائفة. لن أتعرض هنا للصراع بين النخبتين العلمانية والدينية أو تلك المدافعة عن الثقافة العربية "الأصيلة"، لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن النخب اليسارية مثلا كانت تستخدم "أحيانا"، العامية، في شكلها الأدبي خصوصا، كنوع من المواجهة مع السلطة الرسمية أو النخب "البرجوازية" المحافظة، باعتبار العامية تمثيلا لإنسان عادي متخيل، متجاهلة الإشكالية العميقة التي يعيشها هذا المواطن نفسه. إن ثمة تعاطفا ملتبسا من قبل المواطن العادي تجاه اللغة التي يحسنها وتتكشف فيها هويته هو تعاطف العاجز عن التصديق. ومن ثم، فعلى الصعيد السياسي، لم يكن هذا الشكل من التمثيل اللغوي يعنيه أو تنطلي عليه ذريعته السياسية. كيف يمكن أن تتتصرف كفرد ولد في تلك البيئة اللغوية محملا بهذا الازدواج المبدئي المضاعف؟ كيف يمكن أن تشتق أي بنية خاصة لـ "الحقيقة" في تعبيرك عن ذاتك في لغة تسحب البساط من تحت مصداقية هذه اللغة نفسها؟ على أي أرض زلقة تقف؟! 
في العقدين الأخيرين، وفي ظل تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة اكتسب التعبير الجمالي عن "المواطن العادي" في الأفلام الكوميدية على وجه الخصوص بعدا جديدا؛ إنها "التأتأة".. العجز الفعلي عن النطق، نوع من هوية لغوية تشبه ثوبا مرقعا، تجميع عشوائي لكلمات وجمل غير مكتملة، تنقل بدورها، أصداء وظلال لقيم متضاربة. نطق متعثر ونظرة زائغة شبه منومة. إنه أصدق تمثيل للواقع بالفعل. وتأتي لعبة التواطؤ عادة في نهاية الفيلم. 
فجأة ينصلح حال الشفة المقلوبة، ويندفع اللسان بطلاقة مسرحية لاهجا بمجموعة من الحكم والخلاصات الأخلاقية. إنها الخلاصات نفسها، في الواقع، التي جعلت العجز ممكنا وطبيعيا. لا يؤخذ نموذج "العيّ" في الاعتبار أبدا، ويحافظ على ازدواج العالمين اللغويين: التام الخالي من المعنى، والمدمّر ذاتيا بفعل هذا الخواء نفسه. إنه توفيق مدهش أن يجمع فيلم "اللي بالي بالك"، حيث تؤدي هذه الشخصية الدور الرئيسي، بين المواطن البسيط والضابط في جسد واحد، فهما معا يشكلان وجهين من العدم. 
إن لغة لا تتعرف إلى نفسها في سلطة هي لغة مبتورة وغير ناضجة، ولكنها في الفيلم، وبشكل مدهش، تحافظ على ازدواجها الملتبس حال تقمصها "لجسد" - السلطة، فهي لا تكتسب السلطة من خطابها نفسه بل من خطأ استثنائي، يحافظ على المسافة بين كليهما: السلطة والكلام. "أهو كلام.. أدينا بنتكلم.." مثل هذه التعبيرات ليست عفوية على الإطلاق. إنها إسراع للتنصل من مواجهة اللغة لذاتها، من مسؤوليتها ومسؤولية المتكلم بطبيعة الحال. يتحول هذا المأزق من قبل نخب بعينها إلى مكسب، وذلك بادعاء أن ثمة لغة طاهرة من السلطة، لكن الفيلم يقدم استبصارا غير مقصود وما يشبه النبوءة: إنه تخثّر اللغة ذاتها وانحلالها، ومعها بالطبع انحلال الشخصية نفسها. ينشأ هوام الأنا، أي تلك الوحدة الخيالية للذات، في اللغة، أي في المجال الرمزي، لكننا هنا أمام مجال معطوب بجرح أساسي. ولذلك يصبح التماهي مع الرمزي مستحيلا من البداية، أو على الأقل خطرا فادحا. إن الخيالي، بحسب تعبير لاكان، لن يدخل في جدل مع الرمزي لإعادة اكتشاف نفسه فيه، بل سيتعامل معه بانتقائية، وسيستدعيه إلى حقل الخيالي ليكون استعارة للأنا نفسها، عامل توحيد ودعم. وهكذا لا يعود المجال العام، حيث يسكن الرمزي، أكثر من مجال منازعة، إن ما يحدث ليس امتلاء المجال العام بالأنوات المتصارعة، بل تفريغ المجال العام وإعادة خلقه في بيت الأنا. نحن بالطبع سنكون أمام شكل من أشكال العصاب الجماعي يتحرك بين قطبي السلطة والخذلان؛ سلطة الأنا غير المكتملة أبدا، وخذلان الجماعة.

 2
كان من الطبيعي أن يتساءل الروائيون، "الساردون الأوائل"، عن لغة الرواية، في لحظة كانت فكرة التمصير، أي الفكرة الوطنية بالأساس، تقود النزعة الواقعية لا العكس. لقد وجد خريجو المدارس والجامعات، هؤلاء المطلعين حديثا على الأعمال الروائية الكلاسيكة وبالطبع على مصير العامية في اللغات الأوروبية ودوره في تأسيس الهوية الحديثة للدولة، مبررا لطرح السؤال، خصوصا، في ما يتصل بالحوار الروائي. لكنني أريد أن أتوقف عند تجربة محفوظ الروائية آخذا في الاعتبار أن السرد الفصيح كان بحد ذاته مشكلة بنيوية ولا أعني السرد الروائي، بل السرد الفصيح باعتباره المؤهل لدخول المجال العام. وبعبارة أخرى كيف أن مشكلات الفصحى، وطبيعة المجال العام شكلا معا أساسا لبناء سردي مصطنع بالكامل ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك. ولذا فإنني أقترح أن ما كتبه محفوظ، وربما ينسحب هذا على النتاج الروائي عموماً، هو أليغوريا عظيمة، وليس رواية بالمعنى الذي تأسست به في الغرب. فإذا كانت الأخيرة قد اعتمدت على الفرد باعتبار أن خطابه ذو قدرة تمثيلية، ومن ثم فقد كانت الرواية تحاكي ما يمكن أن يقوله هذا الفرد فعلا، وكيف يتقاطاع خطابه ويضاء بخطابات الآخرين، فإن هذا الأمر نفسه كان بالغ الصعوبة في ما يتعلق بتمثيل الفرد في الرواية المحفوظية.
في الأمثولة "أليغوري" ما يهم هو الأفعال لا الكلام. وهذا يتناسب مع الظرف الذي وجدت الرواية فيه نفسها، وما زالت بنسب متفاوتة. هذا بالطبع ليس أكثر من اقتراح مؤقت، فلست على ثقة منه إلا بقدر ما يخبر عن طبيعة اللغة/ الكلام، أي عن المجال الرمزي، أو جانبه الأكثر جذرية حيث تتعرف الذوات إلى نفسها والعام.
لقد كانت الملحوظة الأولى فيما يتعلق بالحوار الروائي عند محفوظ، وعموما بلغة المتكلمين في الرواية وطريقة سردهم أنفسهم هي كونه، بتعبير جوديث باتلر، سرد لا يتعرض لمقاطعة. وتحافظ فيه الأنا على تماسكها بمخاطبة نفسها طوال الوقت. فحتى أنيس في رواية "ثرثرة فوق النيل" يقدم لنا فعليا الشخصية الأكثر التئاما حول نفسها. إن غيابه حضور كثيف كثافة دخان الحشيش الذي يحيط وجوده. في هذه الرواية وفي غيرها، تكاد تكون الحوارات الأكثر أهمية هي تلك التي تتمثل في مونولوجات طويلة. ولعل هذا ما يجعل منطقا، وليس مجرد تجريب شكلي، أن يلجأ مباشرة إلى رواية الأصوات المتعددة، حيث يحافظ السرد هنا على نقائه كوجهة نظر تامة. ومع هذا فتعبير "وجهة نظر" تعبير غير دقيق، فلا صوت من تلك الأصوات يعد "نسبيا"  قياسا غلى صوت "الآخر"، بل يبدو كمن يحاجج أمام محكمة خاصة.
إن صورة المحكمة تتكرر فعليا في أكثر من عمل روائي" "الطريق"، "اللص والكلاب"، "أمام العرش". وبتعبير بسيط إن شخصيات نجيب محفوظ لا تخاطب أحدا، بل ضمائرها. ولهذا لا يعني لها الآخر الفعلي شيئا، حتى مع كونه يمثل موضوع رغبتها.
إن الشرخ في المجال الرمزي قد أعيد إنتاجه هنا في الخيالي، إذا استعنا بتعبير لاكان، في كل صوت، فهو صوت لا يبرح المرآة مطالبا إياها بإعادة الالتئام إلى جسده. يتلاءم هذا مع موقف عام: رواية توجه إرشادا أخلاقيا، ليس بالمعنى الساذج بالطبع، بل بمعنى أنها تجعل الإرادة صلب الفعل التاريخي. وهي إرادة لن تتحق إلا بعودة هذا الالئتام، أو بالأصح بنوع من الاعتراف بالذات. 
غير أن ذوات محفوظ تخفق دائما. وهي تزيف المحاكمة مبرأة نفسها دائما ومحيلة إلى الأب/ الإله الغائب.
لكن محاججة "الطريق"، على وجه الخصوص، وهي رمزية الطابع بشكل فج، تضعنا أمام إدراك مركّب يمثل بدقة مدهشة مأزق الفرد في "أوطان" ما بعد الاستعمار، تلك الأوطان منقوصة الشرعية بسبب تاريخي والتي تعد فيها الجماعة البشرية مقطوعة الصلة فعليا بأصلها الثقافي والبنيوي. في المحاكة المفترضة التي تنتهي بها رواية "الطريق" يدور الحوار بين بطل الرواية صابر الرحيمي ومحاميه بعدما صار مهددا بحكم الإعدام. الحديث هنا يدور بشكل استعاري عن "القانون" الذي لا يرى إلا الواقع الحالي (الظرف مقطوع الصلة) والأب الذي يفترض أنه يمثل الأفق الرمزي الغائب، الضمير الذي يعلو القانون.
يلتقي المحامي بشخص ضرير يخبره أن الأب "سيد سيد الرحيمي موجود"، وتسبغ عليه صفات أسطورية، الأهم بحسب قول رواية المحامي "أن قوانين الدولة لا تهدده". قانون الدولة أعمى، ولكنه عمى مضاعف ليس لسبب يخص فكرة القانون فقط ولكن لكونه أيضا غير تمثيلي ولا شرعي، وهذا بالطبع لا يلتفت إليه محفوظ للأسف. إن الأب الغائب يبقى هو القانون المطابق للحرية الذي تحدث عنه أغامبن في "الاستثناء"، قانون يقرأ الضمائر وإرادة الخير التي بإمكانها أن تخفق، قانون يقبل الاستئناف لأنه لا ينظر إلى اللحظة، ولا إلى التقويم التاريخي لمواطني دولة، بل التاريخ بالمطلق كمسعى لا ينتهي، قانون لا تعد الجريمة بسببه مسوغا للطرد من الإنسانية، بل يتسع لمفهوم جدلي للعدالة يسعى لمطابقتها بالحرية نفسها التي يتمتع بها الله/ الأب.
"وقال صاحبي إنه ما زال محتفظا بحيوية الشباب وأفكاره وضحكاته وقال: "إني أتجول بين قارة وأخرى كما يتجول أصبعك بين طرفي شاربك" وقال أيضا:" لا تعد نفسك من الأحياء حتى تطوف بأربعة أركان المعمورة وتمارس فيها الحب". الطريق.
من الغريب أن الرواية التي ترتكز على قضية الحب تحديدا (رواية "عصر الحب") تنتهي بحضور "آخر" البطل، أي بحضوره المتكلم. يبدو هذا القسم من الرواية الأكثر غموضا ليس لطابعه الخيالي/ الفصامي فقط. عزت (بطل الرواية) يبدو وكأنه تحول إلى شبح لا قدرة له على السيطرة على هذا "الآخر" الذي، بدوره، بدا وكأنه لا ينصت لـ"شريكه" متخذا قرارات مفاجئة بتصفية كل مظاهر حياته السالفة، والعودة إلى الدار الأولى.
بطبيعة الحال فإن أسلوب "الأليغوري" يجعل من الصعب تبيان معالم هذه الهوية المنقسمة. لكن ما يلفتنا، مؤقتا، أن الرواية لا تفسر مطلقا فكرة الحب، فيبقى الحب طاقة مخيفة وهشة، معتصمة بحجابها. يشبه الحب في رواية محفوظ الفائض المقلق للملل، قبضة عصيان في الموضع الخطأ. إنه ليس علاقة، بل "العلاقة" وهمَّه الأكبر والضروري مع ذلك.
"تحاول أن تجعل منا أدوات لخلق السلام لنفسك، كما سبق أن جعلت منا أدوات تخريب لتشيد فوق أطلالنا السعادة التي رفضتك".
مثلما هو كشف أقنعة "الآخر الصغير"، التي هي في الوقت عينه، هوامات الأنا، يتبدد وهم عزت في المسرح والحب وحتى في حياة اللذة. ويبدو وكأن ما يسميه محفوظ "الآخر" هو نفسه "الأنا" خارجة من المحنة، لا بسلام نفسي، ولكن بنوع من التصالح مع مكانها من العالم.
إن روايات محفوظ هي "ما قبل الرواية" وما قبل التاريخ معا. فالتاريخ، كعلاقة واعية بالحدث وصانعة له، لم تتوفر. وسنلحظ دائما أن "الحدث" في روايات محفوظ يظل "حدثا"، أي متمتعا بكامل استقلاله ومفاجأته كلحظة الميلاد. من الخطأ الاعتقاد بأن محفوظ تحدث عن التاريخ، بل "الحدث" التاريخي. الحب نفسه ليس أكثر من "حدث"، ضربة طائشة مقدّرة. هذا النسق من السرد ينعكس في ظاهرة لافتة تتعلق بالحوار الروائي: اي حال الكلام الفعلي باعتبار الكلام دائما موجها إلى آخر. فحوارات أبطال نجيب محفوظ مدغمة ومتوترة محفوفة بالرموز التي لا يملك مفاتيحها إلا المتكلم نفسه. الحوار (هذا الكلام الظاهر) هو قمة جبل الجليد كما يقال، وهو من ثم لا يضاهي مطلقا حوارا موضوعيا، بل يبدو دائما أكبر أو أقل من الموقف، ثمة شيء أبعد غورا من أي موضوع للحوار يجعل الموضوع نفسه مجرد قناع، مناسبة، لتقول كل ذات ما عندها دفعة واحدة، ولأن هذا محال، تبدو ظاهرة التضخيم ملازمة للسرد، شيء يشبه الأنف المتورم من لسعة حشرة.
هذه الحوارات نفسها تشبه إلى درجة كبيرة التراشق السردي في الحياة الواقعية حتى الآن. إن "الجريمة"، كما يصورها محفوظ، ليست بعيدة عن الجريمة في الواقع الفعلي، جموحها وعشوائيتها، وليس هذا بسبب كون محفوظ كاتبا واقعيا بالمعنى المألوف "الغربي"، ولكن باعتباره مدركا بحدس عميق عدم أصالة الواقع الموضوعي كمرتكز للصراع، وهنا تضع رواية محفوظ يدها على ما يفلت من أحفاده: ما سرُّ كل هذا العنف؟.
إذا كنا نشعر بأن ثمة شيئا ما غائبا في هذا السرد، فهو نفسه ما يغيب عن أبطال الحياة الواقعية؛ المتمردين الساقطين، المولهين بتحقيق ذات لا يتعرفون إليها في مرآة إلا ويسرعون بالفرار، المتحدثين إلى أنفسهم، لأن "أحدا لن يفهمنا"، الصاعدين إلى النبل على درجات من النذالة.  


3
ثمة حوار، ضمن استطلاعات نيلوفلر حائري في كتابها "لغة مقدسة وناس عاديون"، يستحق التوقف عنده. يخبرها أحدهم عن أهمية التحدث بالعامية: "في فرق لما اتكلم بالعامية الكلام بيبقى مني ليكي على طول، واللي في المجلة ده فصحى، أمنا اللي باتكلمه معاكي دلوقت عامية. اللغة العربية مش صعبة لكن العامية هي لهجة الحياة. لو اتكلمت معاكي بالفصحى ح آخد وقت كتير. ومش معقول نتكلم كدة مع بعضنا"
وتصف حائري  جملة "مني ليكي على طول" بأنها "دقيقة". ومع هذا فالجملة تخفي موقفا يذكرنا بموقف دريدا من الكلام الشفوي: أي بنقده لتصور الأصل الشفهي للكلام، كونه يمثل المباشرة، الحضور الكامل.
يتغزل المصريون في العامية بوصفها "التعبير المباشر" الأكثر بساطة، خفيفة الدم. إنها، بهذه الأوصاف، تضع العامية في صلب الهوية، مع إكساب هذه الهوية طابعا جماليا مجانيا.
ومن المدهش أن الطابع الهوياتي والجمالي نفسه يُضفَى على العربية الفصحى، لأسباب مناقضة تماما. فبعض من أجرت حائري معهم حوارات بشأن علاقتهم بالفصحى وصفوها بالـ"الجميلة"، و"القوية" وأنها "تنسيهم مشكلاتهم اليومية".
إن تصور لغة ما قادرة بذاتها على التعبير عن هوية غير إشكالية هو بحد ذاته مخزن عنف مستتر. كم من الأدبيات الشعبية تشير إلى نكران الصديق والغربة وسوء الفهم الذي عليك أن تتوقعه من الناس! في المقابل ثمة مقارنة دائما بين "لغتنا" ولغات الآخرين يشي بقلق يدافع عن نفسه.
في أحد أفلام إسماعيل يس نتعرف إلى ابن أحد أثرياء الريف نزيلا في فندق من فنادق باريس، يصحبه "خواجا"، نصاب بالطبع! على عادة الأثرياء ابتُعث إسماعيل يس ليحصل على شهادة من "بلاد برا". على مدار عشر دقائق من الفيلم يتجول إسماعيل يس بين غرفته في الفندق وقاعاته وصالة الرقص الملحقة به ولا يتوقف عن وصف كل من يلتقيهم موجها الحديث إليهم بالسخرية السمجة والسباب، من دون أي معرفة بهم، ومعتمدا، في الوقت نفسه، على جهلهم بلغته. هذه الدناءة هي بطانة هوية قلقة.
تحمل اللغة دائما، في مثل هذه الحالات، كما في استخدامها الفصيح، شيئا مضافا، عبئا ما، شعورا ضمنيا بعدم الكفاية، تمركزا حول الذات يتجه بطاقة عنف إلى الخارج.
لم تفشل فقط محاولات "تبسيط" العربية الفصحى، والتي كان مدعاها في الواقع مجرد التخفيف على المتعلمين وليس تحويلها إلى لغة للحياة كما للكتابة، بل لم تتمكن العامية أيضا من أن تصبح لغة حيث معنى اللغة أصلا هو "التوسط". هذا الاعتراف بالتوسط ليس كائنا في اللغتين العامية والعربية الفصحى، فكلتاهما تعبير هوياتي منقوص، كلتاهما تطعن الأخرى في الظهر، كلتاهما لا تفترض الالتباس والإحالة الموضوعية المتنازع عليها، كلتاهما تسقطان التفاوض والتعثر والشك، كلتاهما واجهة لذات تزداد ضآلة وارتيابا تحت سطح اللغة.
لكن مناقشة هذه القضية، بعيداً عن تأسيس ما يسمى بالدولة الحديثة، وباستحداث الشعور القومي على أرض زلقة من البداية، ثم بطبيعة الحال مأزق العلاقة الاستعمارية - لن يمدنا بأي خبرة حقيقة، بل يضعنا حيال اليأس مباشرة. والحقيقة أن اليأس و"نهاية الكلام" والتخلص من الإشكال كله بإدانة الذات هو مرادف شاعري للعنف نفسه؛ وطاقته موجهة إلى الذات ومتطلعة إلى العدم.

المرآة والمهرج





(1)
 "في الستينات والسبعينات عندما كنا نسأل الناس عن أية أهداف كانوا يتبعونها، كانوا يجيبون بطريقة متواطئة وواضحة جدا في مجالات الحياة العائلية السعيدة، كما كانوا يعرضون مشاريعهم للتوصل إلى الملكية الفردية، إلى شراء سيارة جديدة(...) نتكلم اليوم لغة مختلفة جدا حيث توجد مسألة تحقيق الذات، البحث عن الهوية، أو يتعلق الأمر بتطوير القدرات الشخصية ولكن غالبا بطريقة مبهمة(...) النتيجة هي أن الناس يغرقون أكثر فأكثر في متاهة الشك الشخصي وفي إرجاعه إلى أسباب شخصية، ولا يتوقفون عن الحاجة للتأكد من ذواتهم والنكوص اللامحدود من سؤال إلى آخر: هل أنا سعيد فعلا؟ هل حقا كونت نفسي؟ من هو بالضبط الذي يقول "أنا" ويطرح الأسئلة؟ ". مجتمع المخاطرة 248 ص أولريش بك.

في ثمانينيات القرن الماضي كنت أعمل مدرسا في إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر. كنت أنا من يفرض الشروط على جهة التعيين: مدرسة قريبة من البيت (كان بإمكاني الوصول إليها في ربع ساعة سيرا على الأقدام)، اختيار الفترة (حيث كانت المدرسة تعمل لفترتين صباحية ومسائية). ولأنني كنت كارها للوظيفة لم أتقيد أبدا بكثير من "بروتوكولاتها": لا أحضر الطابور، لا أحمل كراس تحضير، وأتحدى الموجهين المشرفين بأنني قادر على الشرح دون الرجوع إلى هذا الدفتر العجيب، أتغيب كثيرا، حتى إنني حينما تركت العمل كان لدي ملف مخالفات معتبر. كان سلوكي بصفة عامة متمردا، ولكنه مع ذلك كان يجد له مكانا داخل "المؤسسة" حتى على مستوى التقييم الإنساني.
الشعور بالثبات والاستقرار النسبي، قراءة المستقبل بصورة استباقية سمحا لبيروقراطية أقل ما توصف به التعنت والشكلانية وخواء المضمون أن يدخل في نسيجها خيط يقطع انسجام نسيجها "الرصين". لم تمر عشر سنوات حتى كانت الأمور قد انقلبت تماما.
يوما ما انفجرت حقيبة في مقهى بالقاهرة، واقترحت على صديقي علاء خالد المشرف على مجلة "أمكنة" أن نخصص عددا عن "الخطر". لكن لم تكن لدي فكرة واضحة، كان الخطر محسوسا كعاصفة غبار مقبلة، تسبقها حساسية في الأنف.
ماذا كنا نقرأ في نهاية الثمانينيات كأشخاص يعدون أنفسهم مشغولين بالثقافة وبأسئلة وجودية كأنها لشخص يقف على حافة سور بناية؟ كتبا "نظرية"، كما يقال، تجعل من هذا السور ممشى للتأمل. ما كان على الواحد أن يفهمه ببطء، وربما يرفض فهمه من البداية، هو التغير الهائل ومن أين تهب ريحه. كانت "المقولات" تصنع لنا هوية،. وهي مازالت تفعل إلى الآن بشكل مستفز، نوع من "رأسمال رمزي"، بتعبير بيير بورديو، يضمن استمرار ما يسمى بـ"المجال الثقافي"، وذلك من خلال سحب الشرعية من المجتمع أحيانا والسلطة أحيانا أخرى. لذلك كان النقد النظري ذي الطبيعة الجوهرية يجد قبولا ومازال: من الجابري إلى فوكو.
لم نأخذ التاريخ أبدا في الاعتبار. هناك علاقة معقدة بين أسئلة صيغت في إطار محليّ وردود فعل تجاه التغيرات العالمية وإعادة هيكلتها في النطاق الوطني لمجتمعات ما بعد الاستعمار. فهذه الأسئلة المصوغة محليا كانت تفقد دائما طرف الخيط، والأهم أن الأسئلة نفسها (لا إجاباتها فحسب) كانت تفتقر إلى الأصالة بقدر ما تغيب عنها علاقتها المركبة بما يسمى أحيانا دول المركز، لكن الأهم بالطريقة التي أعيد بها بنيان محتمعات كاملة وفق صيغة الدولة القومية، والنظام المؤسسي الذي يفترض مفهوما مجردا عن المصالح، ومعه بالتأكيد المنظومة القانونية وشرعية الحكم كنظام تمثيلي.
السؤال الذي كان ينبع من "الشعور القومي" باسم هوية ناهضة، كان يقف على ممشى متحرك ليجد نفسه في دولة ما بعد الرفاه، بل في الدولة الوطنية التي تكشّف التاريخ عن حدودها الهشة وشرعيتها الضائعة. مع الأخذ في الاعتبار أن مجتمعات الدول التي تعرضت للاستعمار لم تتشكل فعليا كمجتمعات إلا في نطاق استنهاض دولة قومية في مواجهة. التحم المجتمع بالدولة في سؤال الهوية، بحيث بدت الثقافة نفسها، بل كل سؤال يتصل بالقيم الاجتماعية الملائمة لـ"العهد الجديد" يتخذ طابعا وجوديا ممزقا وشائها.
ربما هذا ما كان يضاعف من أزمة سؤال الهوية على المستوى الفردي، فالفرد نفسه بدا لا يعرف حتى طبيعة الأرض التي يقف عليها ليطرح سؤاله، ومن ثم كان شيء ما غائبا دائما في هذا السؤال؛ هو سؤال الفرد عن موقعه بالذات. كان الأيسر أن يطالب ويدين وفق قواعد خارجية هي نفسها كانت لا تلبث أن تذوب وتتلاشى، إنه يريد أن يطرح السؤال بلغة تتغير قواعدها كل لحظة وتتركه في العراء مع كلمات بلا معنى.
كل أجيال المتعلمين القادرين بدرجة أو بأخرى على صياغة أسئلتهم الإنسانية (وهو وضع لا يتصل بالضرورة بطبقة محددة ولا بمهنة أو بزمرة اجتماعية) كانو يواجهون أزمة لم يحسنوا التعبير عنها أبدا: إنها تشبه "خيانة الأب"، ومن ثم، فحتى أشد لحظات النقد لفكرة الأب نفسها، السخرية وسحب الشرعية، كانت تتضمن شيئا خفيا: لقد كانت كأنها إغاظة للأب الغائب، تنكيلا بحلم لم يكن له مكان أصلا، وهنا تكمن المفارقة إذ أنك تؤكد في لحظة الإنكار ما تنكره فعلا، وتستعيده في هوية مقسومة على نفسها تستمد بقاءها من ديمومة الانقسام نفسه وتتعيش عليه.
من الملاحظات اللافتة حقا أن استُدعيت أفكار ذات طابع فلسفي عام وأعيد إنتاجها لتخدم صراعا وطنيا محليا، وبالأدق: لتخدم ديمومة الصراع المحلي. فالمكان الآخر، الغرب مثلا، ظل في واقع الأمر "غير موجود" إلا باعتباره استعارة ممكنة، رأسمال رمزي يمكن استخدامه كسلاح، وكذا بدا العصر الإسلامي الذهبي المزعوم. لم تكن المشكلة أن لدينا "علمانيين" و"سلفيين" بل لدينا استعارات وأقنعة تخدم مواقع جاهزة للتعبئة. هكذا كان الخطاب في الأساس "خطاب قوة" وحضور. لا يتعلق هذا بأزمة عالمية بصورة مباشرة، بل بإعادة إنتاج الأزمة داخل النطاق المحلي بصيغ تفرغها من محتواها الأصلي، إن صح التعبير. مع هذا، لا يمكن ألا يؤخذ في الاعتبار أنه حتى ولو كانت الثقافة، وفق هذه المنظومة، "قناعا" فإنها لا تلبث أن تحقق شروطا واقعية، هكذا يصبح الشرط الواقعي متفلّتا دائما، فهو واقع واستعارة في الوقت ذاته، دالّ شريد لا ينتج من ملامسته سوى العنف.
لنقل إن هذا الدال الشريد عوضا عن أن يمثل أرضا مشتركة (وهذا هو جزء أساسي من وضعية الثقافة) للتخاطب، وضامنا ومرجعا للعلاقات البينية، وطريقة أيضا في فهم العالم، بدلا من ذلك كله كان قناعا صامتا، إلها من حجر ورمال. هذه هي الخيانة إذن. لعل قراءة روايات كتاب الستينات في علاقتهم مثلا بالقناع الناصري أن تكون كاشفة عن هذه اللوعة: لقد خذلتنا. هذا ما يمكن أن يقوله بطل "الحب في المنفى" لبهاء طاهر. إن ثمة إلحاحا في الطلب على "الأب"، ولوعة دائمة مصاحبة لهذا الطلب كأنه تمهيد لخيانته.
كانت ظاهرة البكاء المسجل على أشرطة، أثناء الدعاء في الصلوات من أكثر الظواهر تكثيفا ودلالة على هذا الندم الزائف الذي يخفي ندما حقيقا لا يُباح به أبدا. "ربنا غضبان علينا" لا تعني بالمناسبة أن الله موجود، إن موقعه البنيوي موجود وشاغر، الله مديرٌ وجهه تاركا إيانا نتخبط.
"الأب" هو موقع خال إذن، بل ثمة رغبة ماكرة في بقائه كذلك، وهذا عن طريق إحراق كل صورة له، اتهامها بالزيف (ربنا ما يقولش كده)، أو دفعها إلى الانتحار.
كل "المعاني" هي مقاعد شاغرة للمنازعة يدور الناس حولها مثل لعبة الكراسي الموسيقية، لكن دون أن تتوقف الموسيقى. وهذا ما يعطينا انطباعا متناقضا في العلاقة بالزمن: حركة دائبة، وثبات، حركة مفرغة من الفعالية وغير قابلة للتطور أو المراكمة.
إن واحدا من طرق إفقاد جماعة أو سلطة أو حتى فكرة ما شرعيتها، هو معايرتها بهذا الغياب. يُستخدم الغياب كطريقة للمكايدة السياسة والثقافية، وهو ما يمكن أن نسميه نقصا حادا، وكأنه مقصود، للشرعية، لكنه لا يطال النظام السياسي فقط بل مجال القيم والخيارات الفردية نفسها.
وهذا جانب من أسباب الاضطراب في تجسيد شخصيات عامة من خلال الفن. فالجماعة المصرية تمارس الفن فعليا في نطاق الحياة اليومية، إنها "تمثل" طوال الوقت. لذلك يسقط كل تمثيل لها (بالمعنى الحِرَفيّ للتمثيل) ويخطئ الهدف، لأنه يصبح تمثيلا من درجة ثانية، تمثيلا للتمثيل. وهنا تعثر على المفارقة غير المتوقعة: إن ما تمارسه الجماعة شبيه إلى درجة مرعبة بما بعد الحداثة، لكنه ليس هي على الإطلاق. 
هذه الممارسة لا تقع مسؤوليتهاعلى "النخب"، كما لو كانت مجرد خطأ مقصود، بل هي مشكلة بنيوية تخترق الجماعة البشرية متجاوزة النخب ذاتها وواضعة إياها داخل البنية نفسها،.. مشكلة تقع على تخوم السياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا النفسية. غير أن "منتجي الثقافة" أعطوا شرعية وهمية لهذه الممارسة بإلصاقها بالأعراف "ما بعد الحداثية"، وبالطبع فقد خرجوا على كون "ما بعد الحداثة" مجرد توصيف ومقاربة لوضع حضاري شامل، بإضفاء صفة معيارية عليها أي بالنظر إليها كدالّ مكتف بذاته، وبالأحرى كقناع. وفق ما قلناه لا يمكن الحديث عن "عقدة الأب" هنا، بل عن غيابه، ثم عن تلك "الهوامات" المتعلقة به.







                                         (2)

 "نحن نعيش فوق الماء، فنهتز لوقع أي قدم"..  (ثرثرة فوق النيل) "لم تقتل المجرم ولكنك قتلت توأمه".. ( ليالي ألف ليلة)"نحن نعيش الأيام التي تسبق مباشرة يوم القيامة".. (ميرامار)"وكما يغطي تلوثه بالقوة يغطيه أيضا بالاعتداء على الفضائل ليجعل من ماضيه قاعدة لا استثناء".. (الطريق)"هناك في الحارة عرفت أصول الأشياء.. إنها العار والقذارة.. الماضي كله قذر لايجوز أن يمتد إلى الحاضر" .. (الشيطان يعظ)"ـ يا للفظاعة!ـ قل يا للحقيقة".. ( حكاية بلا بداية ولا نهاية) 

لم يكن نجيب محفوظ الروائي المشغول بفرد يتسكع في مجتمع برجوازي أو يعيش مسحوقا تحت طغيان سلطة، أو متمردا على مكر المؤسسات وحذلقة رأس المال. كان كما لو أنه يجلس في مقهى، في مواجهة شخص خرج توا من مظاهرة مشتت النظر، قبضته مازالت مضمومة على كلمة لم يقلها. لهذا الرجل كان محفوظ يحكي، ولكن ماذا يحكي له؟ ولماذا يحكي أصلا؟ محفوظ كاتب "المهمة"، تعني المهمة أن أمرا ما لا يمكن أن يستمر هكذا؟ أن تغييرا ما عليه أن يحدث؟ لكن هل بعد الثورة كلام عن تغيير؟ لم يقدم محفوظ لهذا الرجل أقل من "أنثروبولوجيا" كاملة للحب والكرامة، لماذا تسقط القبضة الثائرة مخطأة الهدف؟ لماذا تنقلب الكرامة إلى سحنة مريضة لاحتقار الذات. كانت هذه الأنثروبولوجيا تغص بالثنائيات، ولكنها كبحث معتبر بدأت بـ الخروج من الجنة. يعيد محفوظ قصة آدم: الأب، أو الجد الكبير، معيدا صياغة "الخطيئة الأولى" بصورة مدهشة، موطنا فكرة الشر والجريمة داخل التصور العام للفرد وللنظام السياسي على السواء.  والاجتماعي
صورة الأب ستكون في "أولاد حارتنا" محتلة البيت الكبير، أو في "قلب الليل"، على هيئة الجد. لكنها ستكون بوضوح الموضوع الرئيسي لرواية "الطريق". كما سيخصص محفوظ مجموعة قصصية لتحمل اسم "الجريمة".
وكأي سرد من هذا النوع يبدو الأبطال مشدودين إلى بنية ملعونة، وإلى تاريخ أسطوري لا يلبث أن ينكشف عن فضيحة. وأبطال محفوظ وهم يعيدون إنتاج البنية ذاتها كل مرة يتصرفون بشكل لافت للانتباه. إنهم يعيشون بشكل طبيعي في وسطهم الاجتماعي، ولكنهم فجأة يصطدمون بفكرة، حلم، ضربة جنون.
 ساقطون يبحثون فجأة عن الكرامة، أو مولهون بحماسة ترفعهم إلى السماء: الشرف والحب والوطنية والتحرر تطيش كلها كنزوة، كوعد أطلق في لحظة سُكر، يغمر صاحبة بالنشوة والندم. أبناء هؤلاء الأبطال، وربما أحفادهم يمكنك أن تراهم الآن على صفحات مواقع التواصل.
في رواية "الطريق" يغادر صابر الرحيمي الأسكندرية، موطنه الأول، إلى القاهرة بحثا عن الأب، عن نوع من نسب ينجلي فجأة، لينهي واقعا من الدعارة والبلطجة. الإحالة الدينية هنا واضحة جدا. فالأم صاحبة بيت الدعارة التي تعترف لابنها بأن ثمة أبا غائبا شريف الأصل، إنما تصنع باعترافها هذا هوام الأب الغائب، نقاء أصلي، قوة وطهارة انحدرا من جنة ما. يمكنك إذن ان تتنبأ مسبقا بالسقوط في قصة الرحيمي، رحلة قابلة للتكرار إلى ما نهاية، وهو ما يؤكده حرفيا عنوان مجموعة قصصية تحمل إحدى قصصها العنوان ذاته "حكاية بلا بداية ولانهاية". كل فساد في الواقع إنما يُرتكب على شرف هذا النسب تحديدا، هذه اللعنة التي كان محفوظ يريد كسر حلقتها وبعنف. إنه يدفع بأبطاله ليواجهوا الفضيحة: فالولي الصالح الذي ينحدر منه نسب الحارة ليس أكثر من هارب من جريمة، وكانت نزوات العشق تسكن دار ولايته.
يتابع محفوظ منطق الهوام  الباحث دائما عن "توسط"، لكي تعيد صورة الأب إنتاج ذاتها، إنها "الجريمة". الجريمة لدى محفوظ ليست فعلا منظما، ليست إرادة شر نبيل، ليست الشيطان، بل الكائن البائس الذي يخطئ دائما الهدف.
هناك فرد ومجتمع أو هكذا يبدو؛ "لص" و"كلاب"، بيد أن الكلاب لا تطارد فعليا اللص بقدر ما تدفعه إلى السقوط الكامل. المجتمع يحافظ على درجة التلاعب بالصورة، يتعاطى معها بمنطق استخدامي وضيع. إنه يتقبل نوعا من التوبيخ الذاتي بحجة الأمر الواقع، وليس قبول الأمر الواقع إلا السلطة الخالصة، القوة خالية من المعنى، الحضور (أي الوجود) لمجرد الحضور. نوع  من الوثنية الرخيصة، لا يمكن استمراره إلا بتهديد الحياة نفسها بالانفجار.
إن ما يجعل هذا التهديد بالانفجار أو الكارثة شيئا يمكن التعايش معه يوميا هو استدعاؤه الداائم في الحاضر. فبعكس "التهديد" الفعلي الذي يعني ضمنا: كارثة متوقعة في المستقبل تضعنا أمام مسؤولية التغيير الآن، فإن استدعاء "التهديد" في الحاضر هو جعل المستقبل الكارثي متحققا في الحاضر، وهو من ثم يفرغ الحاضر من أي محتوى زمني ويحوله إلى لحظة مؤبدة، قدر ثقيل كالذي يشعر به موظفو نجيب محفوظ وهم يسوون طرابيشهم على فروة مشعثة يتصبب منها العرق ويضرب وجوههم الغبار كما في المشهد الافتتاحي لرواية "خان الخليلي". "المستقبل الآن" ألا تذكرنا أيضا بما بعد الحداثة ولكن بوجه مقبض.
 أول كلمة تصل إلى أذني أحمد عاكف في خان الخليلي هي: ملعون أبو الدنيا. محجوب عبدالدايم في "القاهرة الجديدة" يتقبل كل أنواع الوساخات تحت الشعار ذاته الذي يمكن أن تجده اليوم بصيغ مختلفة، وبأقلام كتاب "متمردين" وكأنها خلاصة عبقرية: "طُز".  "طز" هذه ملخص معتبر لمقالات وروايات ومجاميع شعرية تكتب إلى الآن وكأنها اكتشاف. "طز" نفسها كلمة إشكالية، إن الخلاف الجوهري بينهما وبين مطابقة مابعد الحداثة للهوامات هو أن الأخيرة تدخل مباشرة في عجلة مؤسسات استهلاكية تعتبر الرغبة شيئا يمكن انتاجه واستهلاكه بالطبع، وهكذا يصبح لها سمت "التحقق" والإشباع الفرح "المتحرر من الوهم".
أما لعنات أبطال محفوظ فهي حجر يُركل بيأس. لا حزن حقيقيا هنا ولا فرح، كلاهما يسحب من رصيد الآخر. ليبقى العنف وحده عاريا وبدائيا، ساذجا وموتورا بلا وِتْر.
المقطع التالي، وهو اقتباس من رواية "ميرامار" يمكن اعتباره حديثا للغاية من حيث الجوهر: "فقلت لها تصوري مخلوقين مثلنا عاريين تماما في سيارة وآمنين رغم ذلك من أي تطفل يتبادلان القبل على انفجارات الرعد ووميض البرق وانهلال  المطر. فقالت إنه المحال. فقلت: ألا تودين أن تخرجي اللسان للدنيا ومن عليها وأنت في حماية هذه الغضبة الكونية؟ فقالت محال.. محال. فقلت ولكنه سيتحقق بعد ثوان. وشربت من فوهة الزجاجة وكلما جعجع الرعد استحثثته على المزيد وتوسلت إلى السماء أن تفرغ مدخرها من الماء. فقالت الجميلة: قد تتعطل السيارة. فقلت آمين. فقالت: وقد يدركنا الظلام. فقلت: وليدم إلى الأبد. فقالت إنك مجنون مجنون. فضحكت بأعلى صوتي: فريكيكو لا تلمني".
الوعي الكارثي (وكأن الكارثة عقوبة منتظرة ومستحقة) هي ما يدفع إلى نوع من الفرح الأهوج الذي لا يختلف عن الندم، حرية تشبه الفضيحة وتستبقها.
استدعاء المستقبل هو حيلة للقضاء على رهابه الحاضر دوما ولكن بالطريقة التي تزيفه، وتجعله مستوطنا الحاضر ومعطلا كل فاعلية، وبعبارة أخرى: كل مسؤولية أخلاقية تجاهه.
في هذا السكون المميت للزمن تنطلق فجأة طلقات الرصاص، أو تسمع صرخة مجنونة. إنها الجريمة أو الفضيحة.
في "ليالي ألف ليلة" تصبح الجريمة التي تستيقظ على آثارها المدينة كل صباح وكأنها قدر مسلط على أهلها. تختار الجريمة أداتها وليس العكس. أشخاص عاديون للغاية يجدون أنفسهم فجأة وبما يشبه النزوة قتلة ومغتصبين. الجريمة ريح لكرامة طائشة بها ينتهي مصير عباس الحلو في "زقاق المدق". إنها تضرب حتى العقول الباردة في لحظة دون أي قرار مسبق (كما في رواية "الحب تحت المطر"). جريمة لا تحقق الهدف ولذلك هي جريمة فعلا، أي أنها تعيد مصالحة النسق الاجتماعي على ذاته، مفرغة شحنة التوتر من محتواها.
مطلوب من أفراد يمكن وصفهم، بطريقة ماكرة جدا، بـ"الأبرياء" أن يصدقوا هوام الأب، أن يلتصقوا بصورة من صوره ليجدوا أنفسهم وقد اصطدموا بالخواء، أو سقطوا في بركة قذرة. تنتهي نزوات الثورة والحب والانتقام بما يشبه المهانة. يستخدم المجتع "أنقياءه" الأغرار. لا ليس المجتمع، بل البنية نفسها هي من ينتدبهم، وبينما يتصورون أنهم يكسرون عجلة الزمن ويكسرون حدود الدور المرسوم، يكون هذا هو المطلوب منهم تحديدا لاستكمال حائطه.
من المهم أن نقرأ مفهوم السلطة بعيدا عن الكتب، وكما يكشف عن نفسه في الممارسة فعلا.
تُعدّ السلطة "مجانية" في الخطاب السائد للجماعة المصرية، أمر تفرضه الضرورة. لكن هذا ليس كافيا، إنها وبشكل لاواع تمثل استحقاقا لمذنبين طردوا من الجنة. "إحنا نستاهل" تعبير شائع عن علاقة آثمة. لا يُنظر إلى السلطة إذن على أنها "شرعية" أو معقلنة، والأهم: لا ينظر إليها باعتبارها كرامة، بل عقابا على ضياع الكرامة. وبشكل آخر تعمل سلطة من هذا النوع على تأبيد البنية نفسها، فكلما كانت السلطة منحطة، ظالمة، لا منطقية، كلما دعّم ذلك مجانيتها. إنها تجعل فرصة الكرامة في مكان آخر خارج هذا العالم. لقد ضاعت الكرامة إلى الأبد.
يعرض محفوظ حلا لأزمة هذه البنية، وهو حل مدهش في الواقع: الخروج من الجنة ليس عارا، بل يصنع الإنسان تاريخه عبر اكتشاف العار والكرامة. في "حكاية بلا بداية ولا نهاية" يفاجأ وريث الولاية المتكئ على نسبه الشريف بما يقوله له أحد شيوخ الطريقة المخلصون. كان يفترض بالشيخ أن يقف إلى جوار الولاية (التي هي رمز واضح لسلطة تأسست على قداسة مزعومة) في مواجهة صراع محتدم مع جيل جديد يكسر الأوهام المؤسِّسة، بدلا من ذلك ينطق الشيخ بالفضيحة: نعم اسم جدك محرّفٌ من "الأجرم" إلى "الأكرم".. ليس في ذلك ما يعيبه. الوعي بالعار هو جزء من طلب الكرامة ذاتها. في قصة أخرى بعنوان "أمشير" يتبين شاب وفتاة كانا يوشكان على الزواج أنهما ينتميان إلى عائلتين من اللصوص والخونة والبلطجية، يذهب الشاب، في رحلة عكسية، إلى الحارة ليستقصي، يعود بفضيحة التاريخ والخيانة والدعارة. لكن لا بداية جديدة تتأسس على "النقاء". هذا ملخص الحوار الذي يدور بين الشاب والفتاة عقب الاكتشاف.
يفضح محفوظ بنية الكرامة الزائفة، المازوخية. يفضح استعظام الإثم باعتباره هو نفسه عامل استمراره الفعلي، وتبرير لا ينفد للخطيئة والنذالة.
يفكك محفوظ البنية الأخلاقية التي تشكلت في ضوئها الجماعة والسلطة معا، باعتبارهما الشيء ذاته.
لكن الروح المثالية البطولية التي تتخلل سرده لا تكشف لنا عن الأسباب التي كونت هذه البنية نفسها، أو عن الشروط التاريخية المعقدة لها. هكذا بدت شطحات أبطاله غير مفهومه أحيانا ولا مبررة، وبدا أبطاله وكأنهم مجاذيب في حضرة الحب والبطولة والانتقام، حتى وهم يتكلمون في أمور يومية بسيطة. يعلن محفوظ، ولو مؤقتا، موت الأب لا كفضيحة للإرادة الإنسانية، بل كبطولة من نوع آخر، كاستشفاء ومسؤولية.
تظل أضعف النقاط هنا هو أن كل ذلك كان يتم في إطار "الوطن" أو بالأدق روح محلية لا تدرك العمق العالمي والإنساني لمأزقها. وهكذا يصل محفوظ إلى طرح  أفكار بسيطة تجسدها الحداثة: الفرد، العمل، الحرية السياسية، العلمنة..الخ. دون إدراك مأزقها الذي انعكس هو نفسه في المجتمعات التي خضعت للاستعمار.

                              فكرت في الأقواس كجناحين.. مهاب نصر " اقترفت خطأ كبيرا. يبدو أنه من الصعب تد...